سعد محيو
هل الثورات المواطنية العربية الراهنة ستكون، كما تساءلنا بالأمس، تكراراً مُمّلاً في نهاية المطاف لتاريخ استبدادي أكثر مللاً؟ وهل صحيح ما يقوله الصهيونيون واليمينيون الأمريكيون من أن العرب، وعلى رغم انتفاضاتهم الراهنة، لن يحصلوا لا على الحرية ولا على الديمقراطية، لأنهم مازالوا يرضخون من دون مساءلة لمن هو فوق، سواء أكان أباً أم مديراً أم ناظر مدرسة أم رئيساً؟
لا . قطعاً لا .
فمن يتقوّل بذلك، لمّا يلتقط بعد كُنه وجوهر ما يقوم به المواطن العربي هذه الأيام . إنه بالأحرى يستخدم أدوات تحليل عتيقة وباتت عقيمة، هي نفسها بالمناسبة أدوات الفكر الاستشراقي في الغرب التي نزع عنها إدوارد سعيد ببراعة كل أوراق التوت العلمية التي كانت تتلطى وراءها .
مايجري الآن لا يقل عن كونه ثورة بنيوية ضخمة لم يسبق لها مثيل في التاريخ العربي، تطال كل بنية الإنسان العربي، وهذه بعض قسماتها والأدلة .
مايفعله الشباب المصري الآن، على سبيل المثال، يكسر تقاليد عمرها سبعة آلاف سنة اصطلح على تسميتها ldquo;الثقافة الفرعونيةrdquo; . وهذه استندت، كما هو معروف، إلى علاقة الفرعون ذي السلطات شبه الإلهية والرعية ذات الصلاحيات المعدومة، السلطان الذي يأمر والعامة التي تطيع .
هذه المعادلة تتساقط أمام أعيننا مباشرة، وعلى يد مَنْ؟ ليس حفنة من الضباط الأحرار، ولا حتى نخبة بورجوازية مثقفة كتلك التي قادها سعد زغلول، بل على يد المواطن العادي الذي وقف ليقول: لا .
ومافعله الشباب التونسي كان معلماً بارزاً آخر في هذه الثورة، فهو كسر حاجز الخوف التاريخي الذي لطالما ميّز العلاقة بين الحكام والمحكومين في المنطقة، وبدأ يُحل مكانه رويداً رويداً مفهوم العقد الاجتماعي والقانوني بين الطرفين، حيث الأوائل يحكمون برضا الأخيرين وشروطهم لا بالقوة والغلبة .
وهذا أسقط معادلة أخرى عاشت وازدهرت 1350 عاماً ونيّفاً، أي منذ نهاية حقبة الخلفاء الراشدين، قوامها أنه من الأفضل أن يعيش المواطنون العرب عشر سنوات في ظل الاستبداد (كرعايا)، على أن يبيتوا ليلة واحدة في ظل الفوضى . هذا ما عُرف في التاريخ العربي بنظرية الحاكم العادل المستبد، وهذا ما أنتج على مدار القرون كل أنواع الحكم السلطوية والديكتاتورية .
كيف وصل المصريون والعرب إلى هذا الانقلاب الهائل في المفاهيم السياسية والاجتماعية؟
إنه المبرر نفسه الذي يُسقطه عنهم المستشرقون وحلفاؤهم السلطويون العرب: قدرة المجتمعات العربية على التغيّر والتطور، أسوة بكل المجتمعات الأخرى في العالم . فما سُمّي في الغرب ldquo;الاستثناء العربيrdquo;، لتبرير الادعاء بأن الديمقراطية لن تحدث في الوطن العربي، يتبيّن بجلاء الآن أنه كان استثناء في عقول أصحابه وحسب، وأن المواطن العربي أثبت، وسيثبت أكثر، أنه الأكثر استئهالاً وتأهيلاً لثورة الحداثة والعصرنة والديمقراطية .
هكذا كان حال المواطن العربي إبّان العصر العباسي، حين كان يقود العالم من أذنه نحو ثورات الطب والفلك والكيمياء وعلم الحياة والحرية الفكرية . وهكذا سيكون حاله الآن بعد أن يستكمل هويته الحديثة الجديدة وشخصيته المتطورة .
ومن لا يُصدق، ما عليه سوى الاستماع إلى هدير هتافات الشباب في كل أنحاء الوطن العربي الذي بدأ يتحوّل بالفعل إلى ldquo;ميدان تحريرrdquo; واحد .










التعليقات