قراؤنا من مستخدمي إنستجرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال حسابنا على إنستجرام
إضغط هنا للإشتراك

عبد الوهاب بدرخان

عندما يهتف متظاهرون يمنيون: quot;الشعب يريد إسقاط الرئيسquot;، ثم يهتف متظاهرون يمنيون آخرون: quot;بالروح بالدم نفديك يا رئيسquot;، يصبح البلد شارعين، وعندئذ يستطيع الرئيس أن يحيي أنصاره ويشكرهم، ثم يلتفت إلى الآخرين المطالبين برحيله: quot;ارحلوا أنتم...quot;، وهذا ما قاله فعلاً، مستنداً إلى أن الحشد المؤيد له أكثرية يقدرها بخمسة وتسعين في المئة، فيما لا يتجاوز الآخرون الخمسة في المئة. غير أن هذه الحسبة لا تبدو واقعية، وإلا لما كان الرئيس قلقاً وباحثاً عن حل، ولاكتفى بالتمترس وراء أكثرية لا تستطيع أي أقلية أن تفرض إرادتها عليها.

حتى ألد خصوم الرئيس اليمني يعترفون بأنه لا تزال لديه شعبية في بعض الأوساط والمناطق، نظراً إلى إرث ثلاثة عقود ونيف من العلاقات والمنافع. أما الحشد الذي خرج لدعمه في يومي جمعة متتاليين فقد لا يكون عبرة حاسمة، إذ يصعب تمييز من جاء عفوياً وبدافع ذاتي حر، ومن جاء تلبية لأمر وظيفي أو أمني. فطالما أن القبضة الأمنية للنظام لا تزال قوية فإن جمهور quot;الأكثرية الصامتةquot; يفضّل ما يعرفه على ما لا يعرفه. وفي أي حال، يبقى quot;المؤتمر الشعبي العامquot; حزب الدولة، أي أنه يستخدم كل مواردها وقدراتها لتجنيد الناس واستقدامهم للتظاهر. أما في الأيام الأخرى للأسبوع فلديه مجموعات ضاربة من quot;البلاطجةquot;.

وتتفق التحليلات على أن نظام الرئيس اليمني خسر في أسابيع الاحتجاجات دعامات استند إليها في إدامة حكمه. خسر تأييد القبائل الكبرى، ولم يعد يتمتع بقبول الجماعات الدينية، وأعلن عدد من كبار ضباط الألوية وقوفهم إلى جانب الشعب المطالب بالتغيير. وكلما مضى يوم يزداد خصومه وينقص أنصاره. فعلامَ يعتمد في صموده وتمسكه بالسلطة؟ الأرجح أنه يعتقد، ولعله محق، أن اليمن كما هو الآن، أقرب إلى قنبلة موقوتة لابد أن تنفجر وتتشظى لحظة سقوطه. ولذلك أسباب كان له دور أساسي في رعايتها، كمن كان يستعد لمثل هذه اللحظة الحالية التي اعتبرها آتية لا محالة.

كان الجميع في اليمن يعرفون أن هناك عملياً ثلاثة جيوش، لكن الاستفاقة على هذا الواقع الآن تثير القلق. فالحملة الشعبية على الرئيس سلمية، أما هو فمسلح. قد تجعله الاحتجاجات فاقداً للشرعية، لكنه لم يبق في كرسيه اثنين وثلاثين عاماً بفضل اعتبار معنوي اسمه الشرعية، وإنما لأنه قوي، أدار البلد بالأمن، وخاض السياسة بالأمن، ثم جعل الأمن حكراً على أبناء العائلة.

وكان صالح قد اكتسب في العامين الأخيرين دعامة غير متوقعة لنظامه، اسمها quot;القاعدةquot;، فبفضلها استعاد الاهتمام الإقليمي والدولي. وعقدت مؤتمرات عالمية لدعم اليمن في حربه على الإرهاب. لكن رغم الحاجة الدولية الماسة إلى انخراطه في هذه الحرب، فإن الشركاء الدوليين تعبوا من تقلباته، ولم يقدموا الأموال التي وعدوا بها لعدم وثوقهم بأنها ستذهب فعلاً إلى الأهداف المحددة. لا شك أنه أبدى عداءً لـquot;القاعدةquot;وتصميماً على محاربتها، لكنه تعامل معها على أنها حليف موضوعي، فبدونها يفقد الاعتماد الدولي عليه. وها هي quot;القاعدةquot; تمثل راهناً أحد أهم الدوافع الأميركية لعدم الضغط عليه كي يسرع في تسليم السلطة.

ويُحسب لصالح أنه بادر لحظة استشعاره العاصفة، إلى رمي التنازلات، واعداً بأنه لن يترشح ثانية للرئاسة، ولن يورث منصبه لنجله، لكنه اصطدم بواقع أن الوسط السياسي ومعظم فئات الشعب خبرت مناوراته ولم تعد تصدقها. فكل الخطط التي عرضها لنقل السلطة تُبقي نظامه الأمني رقماً صعباً يستحيل تغييره، فيما يريد الشعب تغيير النظام.