قراؤنا من مستخدمي تلغرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال تطبيق تلغرام
إضغط هنا للإشتراك

مأمون فندي

لا شك أن الثورات العربية فتحت كوة كبيرة على المستقبل إن اتسعت أهلت العرب لدخول القرن الحادي والعشرين ضمن العالم الحر. رفعت الثورات سقف توقعاتنا وآمالنا، وفتحت أمامنا كوة على الدنيا يمكننا توسيعها أكثر بالعمل، وبذا تزيد مساحة هذه الكوة فنرى المستقبل بشكل أفضل ونتوق إلى حرية تتساوى مع مثيلاتها في الدول التي سبقتنا إليها، وهذه هي النظرة المتفائلة التي أتمناها، وأحسست بها أيام الثورة في التحرير. ومع ذلك فهناك نظرة متشائمة عاتبني عليها بعض الأصدقاء ووصفوها على أنها نغمة أو قل مسحة ظهرت على بعض مقالاتي. هذه النظرة المتشائمة تقول بأنه من الممكن أيضا أن تضيق هذه الكوة التي فتحتها الثورات، وبفعل قوى لم تكن بحسباننا أيام الثورة على الأنظمة، وإن ضاقت الكوة وضاق الأفق فستنعدم الرؤية وندخل النفق المظلم مرة أخرى.

بداية، الثورة التي لا تنتج الحرية الفردية فهي لا تستحق اسمها. والحرية الفردية تعني الخروج من النظام التسلطي الاجتماعي الذي تفرضه على سبيل المثال الجماعات التي تنتمي إلى عقائد متشابهة، سواء كانت إسلامية أو مسيحية أو بوذية أو يهودية... إلخ. ففرض نظام اجتماعي وفق رؤية جماعة واحدة دون غيرها حتى لو كانت هي الأكثرية مما يلزم الأشخاص بالسير مع القطيع، هو أمر أكثر خطورة من أن يكون النظام السياسي ديكتاتوريا. فالإطاحة بالديكتاتور أسهل بكثير من الإطاحة بالديكتاتورية، ولنا في مصر اليوم خير مثال؛ إذ يتسيد المشهد المصري اليوم كثيرون ممن لا يؤمنون بالحرية الفردية التي كانت هي القيمة العليا التي نشدتها الثورة منذ يومها الأول. وكان شهداء مصر من الشباب جميعهم يتوقون إلى الحرية، أما من تشربوا من الديكتاتورية ويمارسونها في فكرهم فهم اليوم لا يسعون إلى الحرية بل يسعون إلى احتلال مواقع الجلادين السابقين.. ويحكى قديما أن أعرابيا منح عبده الحرية وأطلق سراحه، إلا أن العبد لم يبتهج لتحرره من الرق وبقي واجما حزينا، فاستغرب سيده حاله وسأله: ألم يكن ذلك هو مطلبك؟ فأجاب: نعم ولكن كيف لي أن أكون حرا ما لم يكن لدي عبد أكون سيده وآمره فيمتثل لأوامري؟

في مصر اليوم، ظهرت لدينا جماعات من السلفيين ممن يريدون أن يمارسوا فكرهم السلطوي على الناس بطريقة أسوأ ألف مرة من الطريقة التي أدار بها نظام مبارك البلد رغم فساده وديكتاتوريته. ولولا وجود عشرة ملايين قبطي في مصر، تلك الكتلة البشرية التي لا يمكن لأحد التخلص منها أو إخراجها من البلد من دون أن يدفع ثمنا عالميا باهظا، لولا هؤلاء العشرة ملايين لفرض السلفيون نظامهم وأجندتهم منذ الأسبوع الثاني بعد تنحي مبارك.

حرية العقيدة أساس في الإسلام، laquo;فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفرraquo;. هذا هو المبدأ، ما عدا ذلك فهناك تفسيرات مختلفة للدين فرضتها البيئة التي يعيش فيها المسلمون بطوائفهم ومذاهبهم المختلفة، فالتفسير والتأويل أساسه المنظور وإبستمولوجية النص، أي علاقة المفسر بالنص والبيئة، وهذا سؤال معرفي طويل وعريض لا مجال له هنا. النقطة الأساسية هنا، أن من يروجون بأن الإسلام كدين يفرض ما يريده شخص متخلف لا يؤمن بالحرية كقيمة إنسانية من خلال إدعائه للسلفية، فهذا كلام لا يستحق حتى الرد عليه، لأن الذين يتقولونه ربما لم يقرأوا القرآن وإن قرأوه فهم لا يدركون تأويله ذلك التأويل المفتوح الصالح لكل زمان ومكان، وكما جاء في سورة آل عمران laquo; وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آَمَنَّا بِه كل من عند ربنَا وما يذكر إلا أولو الْأَلْبَابِraquo;.. فكيف يدعي من لا يلمون بأبجديات القرآن أن يفسروه من منظور تخلفهم الثقافي والمعرفي. وقد قلت في مقال سابق إن الإسلام السياسي وتفسيراته للدين تنبع من المجتمع الذي يعيش فيه. فإن كان المجتمع متخلفا، طرقاته سيئة ومشافيه سيئة وسيارات الأجرة في شوارعه سيئة، فتأكد أن تفسير النصوص الدينية فيه سيكون متخلفا، لذا تجد تفسير واندماج الدين في الحياة العامة في ماليزيا وتركيا مثلا أفضل بكثير من حاله في بعض الدول العربية المتخلفة. جماعة التفسيرات المتخلفة للدين هم من سيعملون على إغلاق كوة الحرية التي فتحتها الثورة في المجتمع المصري، وبدلا من أن نرى شمس الحرية سيدخلوننا في نفق مظلم، نتحاور معهم في الظلام فينتج حوارا أكثر ظلما وظلامية.

إن لم تنتج الثورات العربية الحرية الفردية كنتيجة أولية، لوصلنا إلى أنظمة أسوأ من تلك التي قمنا بالثورات عليها.. ومن عنده رغبة أخلاقية في تكريم شهداء الحرية، فلينشد الحرية كقيمة عليا للإنسان، ما عدا ذلك سيكون الشهداء مجرد وقود لإنتاج شيء أسوأ من الذي سبقه.