قراؤنا من مستخدمي تلغرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال تطبيق تلغرام
إضغط هنا للإشتراك

هل من الممكن أن يتحول شعب كامل إلى مجانين؟ من المؤكد أن الأمر يبدو كذلك في بعض الأحيان.
إن صور مئات الألوف من الكوريين الشماليين وهم يعولون وينوحون حزناً على وفاة كيم يونج إل توحي بأمر مقلق للغاية. ولكن ما هذا؟ أهو ممارسة للضلال الجماهيري، أم أنه طقس من طقوس الماسوشية الجماعية؟
كان كيم طاغية وحشيا، وكان يدلل نفسه بأفخر أنواع البراندي الفرنسي (بتكاليف بلغت 500 ألف دولار سنوياً وفقاً لبعض المزاعم)، والسوشي الطازج المستجلب بالطائرة من طوكيو، وأفضل الطهاة على الإطلاق، في حين كان الملايين من رعاياه يتضورون جوعاً حتى الموت. وإذا بهؤلاء الرعايا الضعفاء المضطهدين المدوسين بالأقدام يتجمعون رغم كل هذا في حشود هائلة وينوحون حزناً على وفاته وكأنهم فقدوا أباهم المحبوب.
لا شك أن الأشخاص المحتشدين للحداد علناً في شوارع بيونج يانج ينتمون إلى الطبقة الأكثر حظا، وأن العويل الدرامي طريقة تقليدية كورية للتعبير عن الحزن. ولكن حتى مع هذا فإن السلوك الذي بثته القنوات الفضائية من كوريا الشمالية بدا مجنونا. تُرى هل يوجد تفسير معقول لهذا؟
بادئ ذي بدء، لا بد وأن نعترف بأن شعب كوريا الشمالية ليس فريداً من نوعه. فقليل من البلدان عانت أكثر مما عاناه البولنديون من قسوة ستالين، ورغم ذلك بكى العديد من البولنديين علناً بعد وفاته. لا شك أن هذا الشعور ربما كان قهريا، فهو شكل بشع من أشكال التحقير القسري للذات. فالناس في هذه الحالة لا يرغمون على تقبل ركلهم بالحذاء في أوجههم فحسب؛ بل إنهم مضطرون أيضاً لتوجيه الشكر لمعذبهم والرثاء لوفاته.
من الواضح أن الكوريين الشماليين الذين يرفضون إظهار حزنهم العميق في مناسبات الحداد العام يجازفون بالوقوع في متاعب خطيرة مثل طرد الأطفال من المدارس، والحرمان من الوظائف، بل وربما قضاء بعض الوقت في معسكرات العمل في السخرة. ويبدو أن تصديق الدعاية في الدول الشمولية يعكس شكلاً من أشكال الحفاظ على الذات. فكلما زادت الشكوك التي تنتاب المرء، وكلما عجز عن التصريح بها علنا، تحولت حياته إلى عذاب مقيم.
إنه لأمر مشوق أن نعرف ما إذا كان الإنسان الذكي قادراً على إرغام نفسه على تصديق شيء يخالف العقل تماما. وهل يمكن كبت الشكوك الإنسانية؟ من المؤكد أن الشكوك يمكن إخراسها على أية حال.
ولكن القسر، ولو أنه يشكل عاملاً مهماً في المشاهد القادمة من بيونج يانج، قد لا يكون التفسير الوحيد. فالهستيريا الجماعية من الممكن أن تتخذ أشكالاً عديدة. ومن السهل أن نفترض أن مثل هذا السلوك المهين مصطنع في كل الأحوال، أي أنه شكل من أشكال التمثيل.
ولنتأمل هنا على سبيل المثال فورة أقل شراً من الهستيريا العامة: وأقصد هنا المشاعر غير العادية التي أعرب عنها العديد من الناس في بريطانيا بعد وفاة الأميرة ديانا. لقد زعم الرجال والنساء الذين لم يعرفوها إلا من صفحات المجلات أو التغطية التلفزيونية أن وفاة ديانا أثرت عليهم كما لم تؤثر عليهم وفاة آبائهم. ولعل هذا الزعم لم يكن كاذبا، صحيح أنه قد يبدو مستغربا، ولكن المشاعر بدت صادقة.
الواقع أننا كثيراً ما نلجأ إلى قمع الآلام الحقيقية، كتلك الناجمة عن فقد أحد أفراد الأسرة. فغالباً ما ينتهي الأمر إلى شكل من أشكال فقدان الحس وليس الهستيريا. ولكن مشاعرنا لا بد وأن تجد لها متنفساً على نحو أو آخر، وقد يتوفر هذا المتنفس عندما يموت أحد المشاهير.
إن كل المشاعر المكبوتة إزاء الفجيعة الشخصية قد تتدفق إلى الخارج في مناسبة عامة. والأشخاص الذين يبكون الأميرة ديانا على سبيل المثال هم في واقع الأمر ينوحون على أحبائهم الذين فقدوهم. وهنا نستطيع أن نقول إن المشاعر حدث لها إزاحة، بل أصبحت في غير موقعها المناسب. إن الحداد من هذا النوع شكل من أشكال الانفعالية العاطفية، ولكنه قد يكون مخلصاً وصادراً عن القلب رغم ذلك.
وفي بعض الأحيان، قد تجعلنا وفاة شخصية عامة نحزن على حياتنا التي مرت سريعا. ولا يهم هنا إن كان الشخص الذي توفي أميرة محبوبة، أو مغنية شعبية، أو ديكتاتوراً دمويا. فنحن ننشأ مع هؤلاء الأشخاص؛ وهم يشكلون جزءاً منا، وعندما يموتون، فإن جزءاً صغيراً منا يموت معهم.
إن الهستيريا الجماعية شديدة العدوى. تصادف أنني قمت بزيارة كوريا الشمالية في العام الذي شهد وفاة كيم إل سونج (القائد العظيم) والد كيم يونج إل. وكانت زيارة نصبه التذكاري -تمثال عملاق له في وسط مدينة بيونج يانج- جزءاً من برنامجنا السياحي الإلزامي. وكنا نقف عند القدمين الرخاميتين لتمثال القائد العظيم، تحيط بنا الزهور وأكاليل الجنازة، في حين كان صوت امرأة تنتحب يذاع عبر مكبرات الصوت.
ثم شاهدت صفوفاً وصفوفاً من أطفال المدارس يقودهم معلموهم إلى النصب التذكاري. وبدا المشهد مؤثراً في مستهل الأمر، حيث الوجوه الجامدة الخالية من التعبير التي يظهرها أناس تعودوا على انتظار السلطات لتخبرهم كيف ينبغي لهم أن يتصرفوا. ثم بدأ المعلمون في إصدار أصوات الحزن العام اللائقة. ثم تحول الأنين الخافت إلى نحيب صاخب، ثم إلى صرخات عالية laquo;أبانا.. أبانا، لماذا تركتنا؟raquo;. وشيئاً فشيئاً اقتدى الأطفال بمعلميهم وانفجروا في البكاء. والواقع أنهم بكوا لمرأى معلميهم وهم يبكون.
تُرى هل كان هذا تعبيراً صادقاً عن الحزن؟ من يستطيع أن يجزم؟ فقد بدت الدموع حقيقية بالقدر الكافي. وربما شعر المعلمون والتلاميذ على السواء بشيء ما، بل ربما شعروا بضيق عميق. وربما لُقِن بعضهم بالقدر الكافي للشعور بأن القائد العظيم كان حقاً والداً حنوناً يدينون له بكل شيء.
لا شك أن آخرين أزاحوا مشاعرهم التي ربما كانت نابعة من أي عدد من أسباب الحزن العامة والخاصة. وفي كل الأحوال فإن الكوريين الشماليين الفقراء لديهم الكثير من أسباب البكاء والحزن. فالحياة في ظل ديكتاتورية شمولية عبارة عن بؤس يومي. ولكنهم في النهاية يبكون الرجال المسؤولين إلى حد كبير عن بؤسهم.
❍ إيان بوروما أستاذ الديمقراطية وحقوق الإنسان في كلية بارد، وأحدث مؤلفاته كتاب بعنوان laquo;ترويض الآلهة: الدين والديمقراطية في ثلاث قاراتraquo;.