فهمي هويدي


قرأنا أن أعضاء المجلس التأسيسي التونسي laquo;أصيبوا بالذهولraquo; لأن أحد ممثلي حزب النهضة الإسلامي الذي يرأسه الحكومة طالب بتطبيق الشريعة من خلال تنزيل حد laquo;الحرابةraquo; على الذين يشيعون الفوضى ويشلون حركة الإنتاج في البلاد بالإضرابات والاعتصامات. إذا اعتبرهم صاحبنا laquo;مفسدين في الأرضraquo;. الخبر نشر يوم الجمعة الماضي على الصفحات الأولى، بعدما عممته وكالات الأنباء على الكرة الأرضية، إثر إلقاء النائب المنسوب إلى النهضة laquo;قنبلتهraquo; في جلسة الخميس (26/1).
ما قاله الرجل كان مجرد رأيا لم يأخذه المجلس على محمل الجد ولم يناقشه، وعلق عليه الناطق الرسمي باسم الحكومة مقللا من شأنه. قال إن الحكومة لا تتعامل مع المظاهرات والاعتصامات باعتبارها من قبيل الإفساد في الأرض. كما أن برنامج حزب النهضة خلا من أية إشارة إلى مضمون وحكم الآية 33 من سورة laquo;المائدةraquo; التي تدين laquo;الذين يحاربون الله ورسوله، ويسعون في الأرض فساداraquo;. ثم حسم الأمر بقوله إن الحكومة لن تلجأ إلى العنف لفض الاعتصامات أو وقف المظاهرات.
لم تكن هذه المرة الأولى التي يثار فيها اللغط الإعلامي بسبب استخدام مصطلحات الخطاب الإسلامي ومفرداته. إذ قبل أسابيع قليلة قامت الدنيا ولم تقعد في تونس أيضا لأن رئيس الوزراء في بداية توليه السلطة تحدث عن تجربة الخلافة الإسلامية في عهد عمر بن عبدالعزيز باعتبارها نموذجا يحتذى به في إقامة العدل. إذ ثارت ثورة كثيرين ممن أغضبتهم الإشارة إلى الخلافة الإسلامية، الذي لم يدع الرجل إلى إقامتها إنما تمنى أن يتمثل القيمة التي جسدتها في ذاك الزمان، حتى دخل عمر بن عبدالعزيز التاريخ بحسبانه الخليفة العادل أو خامس الخلفاء الراشدين. وقد شهدت مصر فرقعة من هذا القبيل حين تحدث أحد قادة الإخوان المسلمين عن الخلافة باعتبارها تجربة تاريخية يعتز بها المسلمون في صورتها الراشدة، ويتمنون أن يتمثلوا قيم الحق والعدل التي سادت في زمانها، فتحدثت إحدى الصحف عن أنه دعا إلى إقامة الخلافة، ثم قالت صحيفة أخرى على صفحتها الأولى إن الإخوان أقاموها فعلا! وانتفض أحد قادة اليسار فراح يدبج سلسلة من المقالات في ذم الخلافة وتعداد مثالبها.
بعدما أسفرت أجواء laquo;الربيع العربيraquo; عن بروز الهوية الإسلامية في أكثر من قطر عربي جرت فيه انتخابات حرة، فإننا نتوقع تواتر هذه الإشارات، ومن ثم تكرار حالات الإصابة بـlaquo;الذهولraquo; في بعض الدوائر، الأمر الذي يستدعي عدة ملاحظات توضيحية واستدراكية، في مقدمتها ما يلي:
lt; إن هذا الخطاب ليس وافدا، ولكنه كان محجوبا ومقموعا في ظل الأنظمة المستبدة المخيمة، بدليل أنه لم يظهر على السطح إلا بعد أن استردت الشعوب حريتها. واستردت معها هويتها الحقيقة، ومن ثم استعادت مرجعيتها الثقافية. لذلك فالمفاجئ ليس هذه اللغة، لكنه رد فعل الآخرين الذين laquo;أصيبوا بالذهولraquo; لدى سماعها.
lt; إن الدهشة تنتاب المرء لأن هذه الصدمة حدثت والأصداء اشمأزت لمجرد سماع المصطلحات، التي ألقيت في الفضاء دون أن ترتب شيئا ملموسا على الأرض. بل إنها لم تناقش من الأساس. بما يعني أننا بصدد حالة لغوية ولسنا بصدد إجراء سياسي.
lt; إننا ينبغي ألا نستغرب هذه اللغة من المنتسبين إلى التيار الإسلامي، وأغلبهم حديثو عهد بالعمل السياسي ولم يتخلصوا بعد من لغة الخطاب الدعوى. ناهيك عن أنهم يفقدون شرعيتهم إذا خاطبونا بلغة العلمانيين أو اليساريين أو القوميين. تماما كما أن الآخرين يفقدون شرعيتهم إذا تحدثوا بلغة ومصطلحات الإسلاميين.
lt; إذا كانت لغة الإسلاميين غريبة على أسماع الليبراليين فإن احتمالها واحترامها يظل واجبا، حتى من وجهة النظر الليبرالية والديمقراطية. ومن المفارقات أن الليبراليين مابرحوا يعظوننا طول الوقت، داعين إلى ضرورة احترام الآخر، ولكن حين يصبح ذلك الآخر منسوبا إلى التيار الإسلامي فإنه يلاحق بالاتهامات ويصبح إقصاؤه وإسكاته مطلبا ملحا ودفاعا عن الليبرالية!
lt; إن ما سمعناه حتى الآن لا يتجاوز إعلان الآراء الصادرة عن آحاد الأفراد، الذي يراد به تسجيل المواقف والفضفضة بأكثر مما يراد به تغيير المسار في هذا الاتجاه أو ذاك. فلسنا بصدد مخططات لجماعات أو مشروعات قوانين أو غير ذلك من الخطوات العملية التي تستهدف الانتقال إلى حيز التنفيذ.
lt; إن الآراء حتى إذا كانت غريبة أو شاذة ينبغي أن تعطى حجمها، لأننا لا نستطيع أن نطالب كل الناشطين بأن يعبروا عن أنفسهم بدرجة واحدة من الرصانة والمسؤولية. وإذا ما صادفنا أمثال تلك الآراء فينبغي احتمالها طالما أنها في حدود القانون إلا في حالتين: أن تتبناها أعداد كبيرة من الناس يمكن أن تشكل عنصرا ضاغطا على المجتمع، أو أن ينجح أصحابها في تحويل أفكارهم تلك إلى قرار سياسي.
في بعض الأحيان يخيل إليّ أن الاعتراض لا ينصب على الإسلاميين أو مواقفهم، ولكنه في حقيقة الأمر ينصب على مبدأ وجودهم على وجه البسيطة.