أمجد عرار

في لبنان بلد التعايش التعددي، تبقى هناك قيمة عليا تستحق الاحترام والاقتداء . البلد الأكثر أحزاباً وقيادات ووزراء ونواباً سابقين، تماماً كما المواد الصلبة يسخن سريعاً ويبرد سريعاً فيهب نسيم الحوار . جلسة حوار جديدة شهدها هذا البلد الحيوي الصغير مساحة وسكاناً، برعاية رئيسه الهادئ الذي تضعه توافقيته على الدوام فوق الخلافات وتحت سقف واحد هو سماء لبنان، وإن دفعته التجاذبات كثيراً يستظل بالأرز ويدعو الجميع إليه .

البعض يعتقد أن الحوار عصا سحرية تلبّد المشكلات على نحو تلقائي، لكن الحوار لم يكن كذلك في أي مكان وزمان، ولن يكون كذلك في لبنان . عندما يلتقي المختلفون يفتحون قلوبهم قبل ملفاتهم فتبرد القشرة الملتهبة للخلاف، وبذلك تتحقق تلقائياً أول فائدة من الحوار . قد يتعاتبون ويرتفع صوت بعضهم، وهذا أمر طبيعي والمثل العربي يقول إن العتاب صابون القلوب . لتصفى القلوب أولاً، ولتنخفض النبرة العدائية في وسائل الإعلام ومنابر الخطابة، هذا يفضي فوراً إلى تهدئة الشارع، وعندما يظهر من يشذ عن هذا التوافق بخطاب توتيري مشحون بالفتنة، يوضع من جانب معسكره قبل خصومه تحت علامة سؤال كبرى، وأستطيع، بحكم التجربة المتواضعة، أن أنصح باستجوابه ليتضح بعد ذلك أنه مكلّف من جهات خارجية معادية لا تريد الخير والوفاق في لبنان، بل تريد تحطيم الجميع على قاعدة ldquo;فخّار يكسّر بعضهrdquo; .

رأينا كيف تحوّلت أحداث بسيطة إلى اشتعال كبير في الشمال، إذ لا يعقل أن تعجز الدولة عن توقيف متهم بالعضوية في خلية إجرام، وأن توضع بين خياري إطلاق سراحه أو مواجهة عصابات تقطع الطرقات وتحرق الممتلكات وتخرج بالسلاح الخفيف والمتوسّط وتحاصر المباني وتروّع الآمنين . هؤلاء لا يستطيعون فعل ذلك إذا رفع عنهم الغطاء السياسي، وإذا قيل لهم اخرسوا، فالمشكلة بسيطة لا تحوّلوها إلى صراع طائفي بغيض ومقيت . رأينا كيف استغلّت جهة ثالثة، من المؤكد أنها ثالثة، مشكلة بسيطة في المخيمات الفلسطينية، وحوّلتها إلى صدام مع الجيش اللبناني . هل من مصلحة اللاجئين الفلسطينيين الصدام مع الجيش؟ عندما خرجت القيادات الفلسطينية لتعلن على الملأ أنها ترفع الغطاء عن أي مشاغب او مشبوه، وأن الفلسطينيين في لبنان ضيوف ملتزمون باحترام القانون اللبناني والسيادة اللبنانية، عندما حدث هذا انتهت الحالة الشاذة، فمفتعلوها تأكدوا أنهم سيكونون بلا غطاء وسيدفعون الثمن وحدهم لأي صدام مع الجيش أو أية قوة أخرى .

ليتفق اللبنانيون على ما يتفقون عليه، وتبقى الملفات الكبيرة العالقة متروكة لجلسات قادمة . سمعنا تصريحات كثيرة عن السلاح وهو نوعان، سلاح المقاومة وسلاح الزعرنة الميليشيوي . هذا العنوان مدرج في إطار بحث الاستراتيجية الدفاعية الوطنية، ومن الطبيعي أن يحرص كل وطني في لبنان على حماية أوراق القوة في بلد يقع على مرمى حجر من مستوطنة عدوانية ك ldquo;إسرائيلrdquo;، كما أن من واجب الجميع وحقهم في آن أن يضمنوا ألا يستخدم السلاح في الداخل، وأن تنتفي أية ظروف توفر الفعل ورد الفعل . وفي هذا المضمار أبدع اللبنانيون قاعدة ذهبية تبقي لبنان محصّناً ومنيعاً، وهي ثلاثية الشعب والجيش والمقاومة . لا أحد من حقّه أن يملي على الأفرقاء ما ينبغي أن يتفقوا عليه، لكن لبنان جزء من الأمة العربية، وهو مستهدف من ldquo;إسرائيلrdquo;، ولا يعقل لأحد أن يجر البلد إلى ldquo;17 أيار آخرrdquo; .

ومهما يكن، إذا كان الحوار كلمة السر في أي شعب، فإنه لا يضيع البوصلة ولا يسقط في مهاوي الردى، ويحيا حياة تسر الصديق، ولن يمنح الأعداء السرور بموته، لأن الشعب لا يموت، وعلى اللبنانيين يتوقف اتجاه لبنان غالباً أو مغلوباً .