توفيق رباحي


في القسم الفني بهذه الجريدة زميل مرح اسمه جمال، كثيراً ما تنهد بعمق وأطلق بصوت مسموع: الإنسان أصله نذل!
وأنا اضيف: (نذل) وعنصري أيضا. تكاد العنصرية أن تكون جزءا من فطرة الإنسان يحاول التعمية عليها بالتصرف عكسها، نفاقا أو تصنعا أو خوفا من عواقب القانون. ولا فرق بين عربي وأعجمي إلا بالصدق في التعبير. سأفصـّل قليلا:
في فرنسا اليوم جدل يصنع الحدث السياسي والاجتماعي، عنوانه عنصرية ضحيتها وزيرة العدل كريستيان توبيرا بسبب لون بشرتها وأصلها (من مستعمرة غويانا). تعرضت الوزيرة وتتعرض منذ توليها الوزارة منتصف العام الماضي إلى سيل من الإهانات والشتائم العنصرية، تصريحا وتلميحا. بلغ هذا السيل زباه الأربعاء 30 تشرين الأول (اكتوبر) عندما ذهبت في زيارة إلى منطقة آنجي (300 كلم جنوب غرب باريس) فاستقبلتها في الشوارع فتيات في سن المراهقة وهنّ يحملن قشور الموز ويقلّدن أصوات القردة. لولا العنصرية المتجذرة والمتهيكلة في أعماق المجتمع الفرنسي لمَ تجرأت الفتيات على مثل هذا التصرف بحق وزيرة من أهم أركان الحكومة (ليست وزيرة تنمية المرأة ودور الحضانة كما يُـضحك على النساء السياسيات في بلداننا). غدا، الأربعاء، سيتظاهر حقوقيون في المدينة دعما لها ورفضا لما تتعرض له.
لم تجد توبيرا المسكينة مثقفا واحدا يصرخ تنديدا بما يلحق بها. وصل أمرها إلى الحكومة وهيمن على وسائل الإعلام. وعندما طـُرح في الجمعية الوطنية (البرلمان) استـُقبل باستهتار نواب اليمين بكل أطيافه.
عشت في بريطانيا قرابة سبعة عشر عاما التقيت خلالها أناساً من كل الأعراق والأجناس والأديان. أكثر من التقيت خلال سنواتي الأولى وأيام الدراسة والتعلم، الروس ثم ومواطني أوروبا الشرقية فالجمهوريات المستقلة عن الإتحاد السوفييتي السابق. كان حالهم لا يختلف عن حال بقية المهاجرين التعساء المغبونين (الأفغان والعرب والافارقة والاسيويين) الباحثين عن لقمة وسقف وقليل من الكرامة.
مع الأيام أكتشف، غير مستغرب، أن العنصرية متفشية في مجتمعات هؤلاء المهاجرين بشكل خطير. وإلا، لماذا يهدد نجم الفريق الفرنسي لكرة القدم باتريك إيفرا من أن اللاعبين الملوّنين (سود البشرة) قد يقاطعون كأس العالم في روسيا (2018) إذا لم تفعل الدولة شيئا للجم مشاعر العنصرية التي لم تتفتق بالخصوص في الملاعب؟ وكيف يجرؤ مواطن سوفييتي (سابق) هو ذاته لاجئ ومحتاج، على طعن سيدة مصرية داخل المحكمة في ألمانيا أمام القضاة ورجال الشرطة وكل العالم؟ كان اسمها مروى الشربيني وقررت محاكمته لأنه ضايقها في الشارع وهددها بالموت، فقتلها في أقدس مكان كان يـُفترض أنه يحميها ويصون حقوقها.
شرطة موسكو تشتبك دورياً مع عصابات من العنصريين المتطرفين امتهنوا مطاردة الأجانب في المدينة، اغلبهم قادمون من جمهوريات الاتحاد السوفييتي السابق بحثا عن فرصة عمل.
يوم 24 تشرين الأول (اكتوبر) الماضي حكمت محكمة بريطانية على شاب من أوكرانيا بأربعين عاما سجنا بعد إدانته بالقتل العمد وزرع قنابل في مساجد بمنطقة ميدلندز بوسط إنكلترا. وصل هذا العنصري المعتوه إلى بريطانيا في إبريل (نيسان) الماضي بحجة الدراسة، لكنه سرعان ما بدأ بزرع أحقاده المريضة ضد المسلمين في منطقة تعج بهم. وكانت lsquo;ذروةrsquo; هذا الجنون أن قتل شيخا تجاوز الثمانين بطعنة في الظهر وهو عائد من المسجد وحيدا ذات مساء.
في أوروبا اليوم تنمو أحزاب اليمين المتطرف العنصري كالفطر. من اليونان إلى السويد.. تنظم المظاهرات فيحضرها عشرات الآلاف. تشارك في الانتخابات فتفوز بمقاعد في البرلمانات المحلية وحتى البرلمان الأوروبي. وإذا طالت بنا الأعمار سنكتب يوما ونقرأ عبارة lsquo;مارين لوبان رئيسة فرنساrsquo; لأنها توشك على الوصول.
أكثر ما يلفت في هذا الأمر أن الحديث عن هذه الأحزاب والأفكار المتشددة لم يعد تابو، بل موضوع نقاش أقرب إلى التافه. في فرنسا تتحدث وسائل الإعلام والنخب السياسية والثقافية في موضوع الوزيرة توبيرا في حلقات نقاش علني وكأنها تناقش ارتفاع أسعار الخوخ في سوق الجملة.
الحال عندنا أسوأ مما هو عندهم. هم ـ أقصد المجتمعات الغربية ـ عنصريون لكن صرحاء ولديهم ما يخافون عليه من الأجانب الزاحفين على بلدانهم. نحن عنصريون ومنافقون ندّعي عكس ذلك ونختفي وراء دين وطقوس اجتماعية. لسوء حظنا كبرنا في مجتمعات مصابة بالإنفصام. تكره الآخر وتدّعي العكس. تحتقر الأسود والبوذي واليهودي والهندوسي، وكل من هو مختلف عنها،. قبل أن تعرفه. تجهل الآخر ولا نحبذ التعرف عليه. مجتمعاتنا في مقدمة مصدّري المهاجرين بكل أصنافهم، لكننا نضجر من رؤية إفريقي، يحمل نفس طموحنا واحلامنا، يتجوّل في شوارع مدننا. نهين الغريب في مجتمعنا ثم نهاجر إلى أوروبا أو أمريكا فنبكي من العنصرية وكره الآخر لنا. بقليل من التفصيل:
في مصر (على سبيل المثال لا الحصر) يسخرون من السوداني، وفي السودان من الإرتيري، وفي إريتريا من الصومالي وهكذا.
في بلدان كالجزائر وتونس والمغرب يحتقر أهل المدن والسواحل سكان الداخل من بني وطنهم وجلدتهم، ويحتقر سكان المدن الداخلية سكان القرى، ويحتقر هؤلاء سكان الأرياف الأبعد، وتمضي السلسلة نزولا حتى لا يجد آخر واحد في حلقاتها من يحتقر!


لبنان عبارة عن lsquo;سجن عنصريrsquo; لكل من ليس لبنانياً.. من الفلسطيني اللاجئ إليه في 1948 إلى السوري النازح نحوه أمس الأول مرورا بعاملة البيوت الإثيوبية والسرلانكية.
السلطات الليبية تحتجز الأفارقة العابرين لأراضيها بحثا عن فرصة نحو أوروبا، في أقفاص حدائق الحيوانات بصحبة الأسود والتماسيح والضباع (مصراة نموذجا).
في السعودية قبل ثلاثة أيام وقعت اشتباكات ليلية بين رجال أمن ومهاجرين أثيوبيين يبدو أنهم انتهكوا قوانين الإقامة والعمل، انتهت بقتلى وإصابات وجرحى. من بين الجرحى مواطنون سعوديون ارتأوا أن واجبهم أن يساعدوا قوات الأمن في غزوتها تلك (بأي حق ولماذا وكيف، لو لم تكن الأحكام الجاهزة المسبقة تجاه أولئك المهاجرين هي الدافع؟).
ثم تحركت وسائل الإعلام، بدون استثناء تقريبا، لتتحدث عن أعمال شغب وصدامات، كأن هؤلاء المهاجرين هم من هاجم مخافر الشرطة ولاحق ضباطها في الشوارع. بينما العكس هو الصحيح (بغض النظر عن أن للسعودية الحق المطلق في ضبط سوق العمالة والإقامة).
في الجزائر أقرأ بعض الصحف فأستحي وأشعر بالخوف على من أعتبرهم نخبة بلادي. صحف، بدون استثناء أيضا، تعلّم قراءها والمجتمع كره الأجنبي عموما والإفريقي الأسود خصوصا. فالأول، ويـُنظر إليه من عقدة نقص، هو غربي نصراني مشروع مبشّر، يجب الحذر من أنه ربما سيحوّل الناس عن دينهم. والثاني، ويـُنظر إليه من عقدة تفوق، إفريقي أسود لص نتن يحمل معه الإيدز والتيفوئيد والكوليرا وسينشرها لتقضي على المجتمع الجزائري (أو امرأة قذرة وعاهرة ـ لكن لا توفرها غرائز الوحوش البشرية). لا فرق على الإطلاق بين ما يكتبه صحافيون ومعلقون lsquo;كبارrsquo; وما يصدر عن شباب بطـّالون في مقاهي الحارات الشعبية.
في المدن الجزائرية يتعرض الأفارقة، نساء ورجال، وكلهم في محطة عبور مؤقتة قبل محاولة التوجه إلى أوروبا، إلى معاملات يندى لها الجبين، رسميا واجتماعيا. لا الدولة تحميهم (واحدة تعرضت لاغتصاب وضرب وتعنيف رفضت شرطة مدينة وهران أن تأخذ شكواها)، ولا المجتمع يعرف شيئا اسمه: الرأفة بالآخر لأنك كان يمكن أن تكون مكانه.
قد يكون لهذه الأحكام القاسية تجاه الأفارقة بعض التبرير، لكن اسأل لماذا. وتذكـّر ماذا يفعل الجزائريون في فرنسا والمغاربة في إسبانيا والعراقيون في السويد والصوماليون في بريطانيا والروس في ألمانيا.. وكل الناس في كل مكان.
السلطات المغربية lsquo;تشحنrsquo; المهاجرين الأفارقة في عربات كالبهائم وتلقي بهم عند خط الحدود مع الجزائر بحجة أنهم قدموا منها. ويقضي أفارقة بينهم نساء وأطفال شهورا طويلة في غابات قرب الناظور لا تختلف حياتهم عن الحيوانات، لا يجدون من يناولهم غداء نصف يوم.
كل هذا العار وعندما تسأل يقذفك أبسط المتحدثين بسيل من آيات من القرآن الكريم والأحاديث النبوية عن التكافل والإيثار وحماية الغريب.. إلخ. كلام لا يدل إلا على درجة الانفصام الخطيرة التي وصلتها أمة هي اليوم مسخرة الأمم.
لا أجد تفسيراً لهذه العنصرية المستشرية بين بني البشر إلا كونها مزروعة في أعماقهم بالفطرة وتبرز عندما تستطيع.