«قلْ لي ما كابوسك، وسأخبرك مَن أنت!»، ربما تحيط الشكوك بمصداقية هذه المقولة المنسوبة إلى فرويد، ومع ذلك فإنها في رأيي تحمل شيئاً من الحقيقة.
لا أعلم ما كابوسك، لكنني عرفت كابوسي منذ أن كنت طفلاً عندما اشتريت أول صحيفة في حياتي من مدينة الأهواز. وكان كابوسي كالآتي: أستيقظ صباحاً، لأجد الشمس مشرقة، والعصافير تزقزق، والفطور جاهزاً، وفجأة أدرك أن شيئاً ما ناقص: صحيفة اليوم!
وكما الحال مع معظم أنواع الإدمان، ازداد تعلقي بقراءة الصحف عاماً بعد آخر، حتى أصبحت في مرحلة ما أستقبل من صحيفة «الشرق الأوسط» ما معدله 15 نسخة يومياً بأربع لغات. وفي اعتقادي، إن تداول المعلومات داخل المجتمع يشبه دوران الدم في جسد الإنسان: أمرٌ أساسي للحياة.
قريباً، تذكرت رعب «يومٍ دونما صحيفة»، عندما أعلنت صحيفة «لو فيغارو» الفرنسية خطتها للاحتفال بمرور مائتي عام على تأسيسها، مستعرضةً قرنين من الصحافة أسهمت خلالهما في تشكيل الهوية الفرنسية كما نعرفها اليوم.
خلال تلك الأعوام، شهدت فرنسا عودة النظام الملكي بعد سقوط الإمبراطورية النابليونية، ثم إعلان جمهورية مؤقتة أعقبها صعود الإمبراطورية النابليونية الثانية، تلتها الجمهورية الثالثة، والثورة الفرنسية الرابعة أو «كومونة باريس»، والهزيمة المذلة في الحرب الفرنسية-البروسية، وفقدان إقليم الألزاس واللورين، وحربين عالميتين، إضافةً إلى عدد من الحروب الاستعمارية، وصولاً إلى الجمهورية الرابعة ثم الخامسة.
ورغم كل تلك العقود المضطربة، بقيت «لو فيغارو» بمثابة البوصلة التي تحاول دوماً منع بندول التاريخ من التوقف عند أحد طرفيه. وكانت القاعدة غير المكتوبة أنْ «لا حقيقة مطلقة محفورة في الصخر إلى الأبد»، وأن المهمة الأساسية للصحيفة تحدي المسلَّمات، وتأكيد القيم المشتركة، وتمجيد الإنجازات الإنسانية.
اللافت أن «لو فيغارو» بدأت كمنشور ساخر، واتخذت اسمها من بطل مسرحيات عدة للكاتب بومارشيه، منها «حلاق إشبيلية» و«الأم المذنبة». بعد ذلك، تحولت إلى منبر يدافع عما يسميه الإنجليز «الفطرة السليمة»، وما يسميه الألمان «الحكمة الجمعية».
وعلى عكس الآيديولوجيات النخبوية التي تحتكر الفضيلة لحساب عشيرة أو طبقة أو نخبة، حرصت «لو فيغارو» على مخاطبة المواطن «العادي». وغنيٌّ عن القول أن هذا الموقف جعلها هدفاً لانتقادات من اليسار واليمين معاً. وفي الوقت الذي وصفها اليسار بأنها «لسان الرجعيين»، انتقدها اليمين بوصفها تعكس كل الآراء، بما فيها آراء من اليسار. وتحت لوائها، احتضنت الصحيفة الكثير من كتاب ومفكري فرنسا، من أمثال إميل زولا، وتيوفيل غوتييه، وريمون آرون، وفرانسوا مورياك، فضلاً عن نخبة من الصحافيين.
كنت أتأمل «لو فيغارو» وشعارها: «دونما مديح لا نقد لاذع»، وتذكرت صحفاً أخرى، في بلدان مختلفة وتحت ظروف شتى، أكدت لي صحة النظرية التي راودتني في سنوات الصبا بأن صحيفة واحدة قد تُعيد توجيه أو تعيد تشكيل مسار أمة.
أعتقد أن صحيفة «ذا تايمز» اللندنية، التي تأسست حتى قبل «لو فيغارو»، تحديداً عام 1788، أدت هذا الدور داخل الإمبراطورية البريطانية؛ فقد ساعدت في جمع الإنجليز والاسكوتلنديين والويلزيين والآيرلنديين الشماليين في كيانٍ واحد، وأرست معياراً للغة الإنجليزية كانت بدايته مع معجم صموئيل جونسون.
وفي بلاد اليابان البعيدة، اضطلعت صحيفة «أساهي شيمبون»، (الشمس المشرقة)، التي تأسست عام 1879، بدور مشابه. وكانت بمثابة منبراً للمصلحين في عصر ميغي، الذين وحّدوا البلاد من فسيفساء الشوغونات وحولوها إلى دولة قومية حديثة على النمط الغربي. وساعدت الصحيفة في ترسيخ صيغة موحدة للغة اليابانية، ونشرت سردية عائلة نيبون، وأسهمت كذلك في صياغة هوية وطنية صمدت أمام قرن من التحديات والمواجهات والكوارث في خضمّ تفاعل اليابان مع العالم الخارجي.
فيما يتعلق بمنطقتنا، أعتقد أن صحيفة «الأهرام»، التي أسسها شقيقان مسيحيان لبنانيان في الإسكندرية عام 1876، لعبت دوراً محورياً في صياغة هوية مصرية عربية متميزة، بعيداً عن الخديوية العثمانية، التي كانت تحت حكم أسرة تركية - ألبانية. كما كان للصحيفة دورٌ بارز في نشر لغة عربية موحدة، لاقت رواجاً واسعاً خارج حدود مصر. وحتى في ظل الحكم الناصري، حين أصبحت الصحيفة منبراً للقومية العربية، فإنها، خصوصاً تحت رئاسة حسنين هيكل للتحرير، لم تتحول إلى مجرد أداة دعائية.
وفي تركيا، لعبت صحيفة «الجمهورية» دوراً مماثلاً في بناء الأمة التركية من أنقاض الإمبراطورية العثمانية. وبالتزامن مع إصلاحات أتاتورك، جرى ابتكار لغة تركية جديدة بأبجدية لاتينية جديدة، وحذف أكثر من 10000 كلمة عربية وفارسية، علاوة على اقتراض آلاف الكلمات من الفرنسية. وقد تبنت صحيفة «الجمهورية» قيم الاعتدال والمنطق السليم واحترام كرامة الإنسان -القيم ذاتها التي أسهمت في نجاح صحيفتي «لو فيغارو» و«ذا تايمز» في فرنسا وبريطانيا.
شاركت صحيفة «الجمهورية» قيم الاعتدال والحكمة واحترام كرامة الإنسان، وهي القيم التي أسهمت في نجاح صحيفتَي «لو فيغارو» و«ذا تايمز» في فرنسا وبريطانيا. وفي ظل الحكم الديكتاتوري العسكري والهيمنة العثمانية الجديدة، عانت الصحيفة من الإغلاق واغتيال ثمانية من صحافييها وسجن آخرين.
في إيران، لعبت صحيفة «كيهان»، (الكون)، اليومية دوراً مشابهاً حتى ثورة 1979، التي غيّرت مسار البلاد. تأسست «كيهان» عام 1942 بقرض من الشاه لمواجهة الصحف الموالية للسوفيات وبريطانيا، التي جرى إطلاقها خلال احتلال الحلفاء لإيران. وبرز دورها المحوري في عامي 1945 و1946 في حملة لطرد القوات السوفياتية من شمال غربي إيران.
على امتداد عقود، أرست «كيهان» أسلوباً جديداً في الصحافة، وأسهمت في نشر مئات الكلمات والمصطلحات الجديدة. كما رسّخت قيم الاعتدال والتنوع والمنطق السليم معالمَ بارزةً في مسيرة الصحافة الإيرانية المضطربة.
وبالمثل، لعبت مجلة «دير شبيغل» الأسبوعية، في ألمانيا، التي أسسها الضابط البريطاني جون سيمور تشالونر، في منطقة الاحتلال البريطاني في هامبورغ، دوراً مهماً. وسرعان ما تولى رودولف أوغستين، الذي أصبح فيما بعد أسطورة في عالم الصحافة، رئاسة تحرير «دير شبيغل»، التي واجهت مهمة بدت مستحيلة، ألا وهي محو آثار الكابوس النازي، والمساهمة في استعادة ثقة الشعب الألماني بنفسه، وإعداده للانضمام إلى أسرة الدول الديمقراطية. كما أطلقت المجلة ما عُرفت لاحقاً بالصحافة الاستقصائية، ونشرت أسلوبها في جميع أنحاء العالم.
وأخيراً وليس آخراً، نذكر صحيفة «إل باييس» الإسبانية. صدرت هذه الصحيفة اليومية بعد ستة أشهر من وفاة الجنرال فرانكو عام 1976، وكان خوان لويس سيبرايان رئيس تحريرها. في ذلك الوقت، بدت إسبانيا على شفا حرب أهلية أخرى بين أنصار فرانكو المدعومين من الكنيسة، والأحزاب اليسارية العائدة من المنفى والمتعطشة للانتقام.
اللافت أن «إل باييس»، (البلاد)، اتخذت مساراً ثالثاً: من الملكية الدستورية إلى الديمقراطية، والعودة إلى الأسرة الأوروبية، والانضمام إلى كل من الاتحاد الأوروبي وحلف شمال الأطلسي (الناتو).
نعم، لقد ساعدت صحيفة واحدة، ولا تزال قادرة على مساعدة أمة في الخروج من مآزق تاريخية أو تجاوز فترة عصيبة فرضتها الظروف. وفي المرة القادمة التي تُمسك فيها بصحيفة، تذكَّرْ أنها قد تكون أكثر من مجرد غطاء لوجبة السمك والبطاطا المقلية.
















التعليقات