تركي الدخيل
في العقود الثلاثة الأخيرة، ومع انتشار تيار الصحوة، والإسلام السياسي، تم التسويق للمظاهر على حساب المخابر، ورُوِّج للشكل مقابل القيم، فانتشرت الثقافة الشكلية.
من يتديّن يخلع العقال ويُقصر الثوب، يطلق اللحية، فأصبحت الولاءات تمنح للأشكال، لكن أين تزكية النفس وتطهيرها؟ وأين أساس الدين وهو إتمام مكارم الأخلاق؟ للأسف لم ننصف الكثيرين من الأخيار فقط لأن أشكالهم غير متلائمة والنمط العام للتدين أو للنموذج المفروض حتماً في التدين. أذكر أن غازي القصيبي رحمه الله توفي وهو يعيل عشرات الأسر ويكفل مئات الأيتام من جيبه الخاص، هذا الرجل الذي قيل فيه كل ما يمكن أن يقال في التسعينات!
الآن أقف مع رجلٍ له أيادٍ بيضاء خيّرة، وهو رجل الأعمال صالح التركي. افتتح مصنعا يتبع شركته quot;نسمةquot; خاص بتوظيف البنات من الصم والبكم، وهو مشروع غير استثماري تعمل فيه أكثر من 70 شابة من الصم والبكم!
زرت قبل عام هذا المصنع، الذي كل العاملات فيه من الصماوات البكماوات، اللاتي يعملن بجد واجتهاد، في عمل خيري أرباحه تعود للاستثمار في توظيف هذه الفئة الغالية. لم ينتظر التركي تزكيةً من أحد، وهذا الجهد التطوعي نادر من نوعه في المنطقة. فكرة جديدة تجاوزت التبرعات أو الأعمال الخيرية التقليدية. ومع كل نشاطٍ يقوم به هذا الرجل الفاضل ينظرون إلى اللحية المفقودة! وكأن الأعمال باللحى وكأن الخير مربوط بالشكل! ياللغرابة، الخير يقبل من الجميع وفي الأحاديث ما يكفينا مؤونة الإقناع.
وحين رأس مجلس إدارة جمعية البر الخيرية بجدة شغّب البعض، حتى تجد في المواقع والمنتديات قولهمquot;حسبنا الله ونعم الوكيل، حليق يرأس جمعية خيريةquot;! لدينا نماذج كبرى من علماء الإسلام في السعودية وخارجها وممن خدموا الدين بدون لحى، فالقليل من الاهتمام بالشكل والكثير من الاهتمام بالباطن والمضمون.
مصيبة أن نربط الأعمال الكبرى باللحى والأشكال ومقاسات الثياب. المهم أن نعمل الخير. رأينا بعض من لديهم لحى وقد أكلوا أموال اليتامى ظلماً، إذن فالشكل ليس معياراً للصلاح، غير أن المجتمعات التي تُركز على الأشكال، تستند إلى ذهنية تعمد للتصنيف وتستسهل الفرز بناء على الصور النمطية.
بآخر السطر، القيمة الحقيقية في من يعمل تطوعاً ومن يبني مشروعاً ومن يفعل خيراً، فهذه هي أصالة النفس وهذا هو مقصد الدين وجوهره وأساسه ووصيته، وافعلوا الخير لعلكم ترحمون!











التعليقات