جاسر الجاسر

تتخوف فرنسا من أن تشهد احتفالات نهاية العام هجمات إرهابية فردية أو جماعية في سابقة تنزع عن الاحتفال بهجته وتفرض حالة خوف وارتباك بعد أن كانت النشاطات الجماهيرية والأماكن المزدحمة تبث الطمأنينة، بينما الوحدة تجسد القلق والخشية لأنها تعني العزلة والعجز في مواجهة أي خطر. هذا الرعب المستحدث أوروبياً غدا مألوفاً عربياً منذ تزايد ما أنتجه الربيع العربي من تكتلات متنوعة من الجماعات الجهادية ذات وظيفة واحدة، بث الدمار والخوف، بخاصة بعد ظهور «داعش» الذي لا يعرف لغة سوى السكين.

&

خلال نحو أربع سنوات من الربيع العربي سقط عشرات الالآف من الضحايا، إلا أن الضربة القاصمة كانت من نصيب الفن والثقافة اللذين تراجعا قسراً بعد اختناقهما بدخان القنابل والتفجيرات وحبس الحريات وتجاهل جميع البلدان لهما، فلا صوت يعلو فوق صوت المعركة، بخاصة أنهما كانا يسكنان الهامش دوماً.

&

أظهرت الأحداث أن الثقافة بتفرعاتها أجيرة عند الأنظمة، فما إن اندلعت التوترات حتى تبدلت النبرة فلم يعد ثمة فرق بين صحافي موالٍ وكاتب صاحب رؤية، واستحال القلم إلى نسخة واحدة فلا تميز أو تفرد ما عدا بعض الأصوات المقاومة التي تبرهن على أصالتها في التحدي والإيمان بالرسالة الثقافية ودورها الإنساني والحضاري. منذ ذلك الوقت بدأ التراجع ينمو ويتسع فضاقت الدول بالمثقفين، وأضحت الحدود أسواراً وسجوناً عازلة تمنع عالمية الثقافة وعزفها الجماعي، وتحيل السلطة كاملة إلى مشاهد القتل ومقاطع الرصاص وتغذي الخوف والرعب. أصبحت الشعوب العربية مهجوسة بالسلامة والغذاء، لأن الثقافة مجرد ترف نخبوي واستعراض سلطوي لا تنتمي إلى وجودهم ولا تعبر عنهم فلم يعنوا بها إن حضرت أو غابت، حتى إن السينما البعيدة من مناخات الخطر المباشر بدأت في الذوبان سواء لضعف التمويل والمشاهدة أو ارتباكاً بسبب كثرة تبدل المواقع وتغير السياسات والقوانين وأدوات الرقابة، بل إن الكتاب نفسه زادت القيود عليه فالنفس الأمني لا يحتمل أي عبارة قابلة للتأويلات ويأخذها على الظن السيئ فيمنعه من العبور فإن نجا وجد مستقبليه يبحثون عن الخبز أوّلاً.

&

يوضح القلق الفرنسي ومعه الاتحاد الأوروبي أن النشاط الثقافي العام يتعرض لتهديد قد يحجبه كلياً، فالإرهاب يريد اصطناع الصخب واستعراض قوته حتى إن كان عمله تفجير طلاب في مدرسة أو أناس عابرين في سوق، فكيف الحال بمكان يجتمع الناس فيه في زمن ومكان محددين ما يجعلهم صيداً ثميناً، يضاف إلى ذلك أن جميع الجماعات الإرهابية تستهدف الثقافة وتعاديها وترى في القضاء عليها سلامة للدين والمجتمعات.

&

الكارثة الحقيقية أن المثقفين والفنانين استكانوا إلى هذا الوضع وانسحبوا من المشهد، فكأن الثقافة صناعة رسمية وليست تعبيراً عن الوجود والحريات، وأنهم جوهر المواقف لا يتلألأون إلا مع اشتداد الظلمة وغياب ضوء المنارة فلا يكون لهم بديل، في بث التفاؤل وتعميق النزعة الوجودية وقهر الظلام بالقصة والرواية والموسيقى والمسرح، وأنهم مقاتلون يرفعون راياتهم لمقاومة الوحشية مهما علت سطوتها.

&

كان الخوف من الاعتقال والملاحقة هاجس المثقفين. اليوم يشتركون مع جمهورهم في الخوف من الموت إن جمعتهم قصيدة أو مسرحية أو حتى جلسة حول كتاب!
&