حوار مع المفكر الفرنسي ورئيس معهد العالم العربي في باريس تنشره"الخليج" بالتزامن مع “الأهرام”
&
إبراهيم السخاوي
&
جاك لانغ المفكر والسياسي الفرنسي العالمي الذي يعمل حالياً رئيساً لمعهد العالم العربي في باريس، نستضيفه في حوار ليس بوصفه مفكراً أو سياسياً له قيمته فحسب وإنما أيضاً بصفته رئيساً لمؤسسة "معهد العالم العربي" التي تدير حواراً مستمراً للفهم وتعميق الرؤية، وتشجيع التبادل الثقافي مع العالم العربي .
ولجاك لانغ مؤلفاته التي يعد من أهمها ثقافياً "حالة المسرح"، وبدراسته القانونية المتمثلة في عملة أستاذاً للقانون العام، قدم تحليلاً لحكم محكمة العدل الدولية عن "الجرس القاري لبحر الشمال"، ثم يعاود نشاطه الثقافي عن السياسات الثقافية المقارنة بأوروبا، وفي المجال "السياسي - الاقتصادي" يقدم "القيام بثورة مالية، التغلب على البطالة"، وأخيراً يقدم لنا صديقه نيلسون مانديلا في كتابه "قطع من حياة مشتركة" .
عمل جاك لانغ وزيراً للثقافة في عهد فرانسوا ميتران دورتين ومن ثم وزيراً للتعليم العالي بجانب الثقافة، وكلنا يعرف قيمة الثقافة بالنسبة لفرنسا تحديداً، ثم وزيراً للتعليم العالي في عهد جاك شيراك وكان نائباً في البرلمان الأوروبي أواخر التسعينات، وعمل مستشاراً لبان كي مون الأمين العام للامم المتحدة .
وإذا كان توفيق الحكيم قد سجل سيرته الحياتيه في فرنسا من خلال "عصفور من الشرق" فإنه أحرى أن يكون ما طرحه المفكر الكبير جاك لانغ في حوارنا يمكن أن نسميه بتصرف "عصفور من الغرب" .
ومن فرنسا إلى فرنسا، ومن الصدام والنهايات إلى الحوار والبدايات نبدأ .
العرب وأوروبا المتحررة مركز ثقل للتوازنات الكبرى في العالم
* إذا كان البعض يقر صداماً بين الحضارات، وآخرون يرونه حواراً مستمراً، فهل تعتقد أن الحضارات التي يشار إليها لم تعد اليوم كما كانت عليه؟
- لا يوجد حوار إلا بين الأشخاص، الكائناتالحية، الرجال والنساء الذين، أياً كانت أصولهم لديهم جميعاً طابع مختلف، أفكار مختلفة، تاريخ مختلف . الحديث عن الحوار بين الحضارات، على الأقل من وجهة النظر العامة، ضار بقدر الحديث عن الصدام بين الحضارات .
عندما يقدم مفكر رؤيته للعالم، فهو ينقاد، أياً كانت صفاته الثقافية، إلى تبسيط حقيقة إنسانية لا يمكن لأي عمل أن يحتويها ويسيطر عليها . عندما نسعى بعد ذلك أن نلخص في سطور قليلة أو بضع كلمات هذه الرؤية، فإنها لا تكون أكثر من علاقة بعيدة عن الواقع الذي نزعم أننا نصفه . على كل الأحوال فإنه ليس من خلال فكر هانتينغتون أحدد تفكيري ولا أعتقد أني ملزم باستخدام المفاهيم ذاتها . أولاً مفهوم الحضارة: ما هي الحضارة؟ إذا كنا نعني بذلك كتلة غير متحركة لها حدود ثابتة وتوازنات داخلية مستقرة، إذن فنحن نرتكب خطأ جسيماً . كل التكوينات الإنسانية - دول، مجتمعات وحتى الأديان - في حالة حراك دائم . فرنسا اليوم مختلفة كثيراً عما كانت عليه في ثلاثينات القرن الماضي . وهو الحال أيضاً في مصر . ومع ذلك هناك دائماً واقع فرنسي وواقع مصري تشكل من الحاضر ومن ذكرى . فرنسا ومصر هل تنتميان إلى حضارتين مختلفتين وما هما هاتان الحضارتان؟ الإجابة ليست واضحة . اعتماداً على ما إذا كنا ننظر إلى اللغة، الدين، العادات الغذائية، الأعراف الزوجية، فإن الحدود المبهمة التي تفصل الكتلتين الثقافيتين تتباين . هل يمكننا أن نقول إن هناك على سبيل المثال حضارة إسلامية في مواجهة حضارة مسيحية؟ لكن لماذا لا نرى الأشياء بشكل مختلف ونضع حضارة متوسطية قبالة حضارة آسيوية . هل مصر أقرب إلى إندونيسيا منها إلى فرنسا . من جانبي أشعر بأنني في بلدي وأنا في تونس أكثر مما أشعر وأنا في فنلندا .
* وهل وفق هذه المفاهيم للحضارات الكائنة يمكن أن ينتج صراع في العلاقات بين الشعوب يمتد بين الاغنياء والفقراء . .أو يتسع نطاقه ليشمل العالم، أي أن تواجه المجتمعات بعضها بعضاً؟
- أن نتناول العلاقات بين الشعوب من زاوية المواجهة بين الأغنياء والفقراء أمر ملموس أكثر بكثير عند النظر إلى العلاقات الدولية . كل من تجاوز عمره الخمسين تأثر بمفهوم الشمال الثري الذي يستغل الجنوب الفقير وغير المتقدم . الأمر هنا كان يتعلق بصراع موضوعي كانت التعبئة ضده لكل النساء وكل الرجال المأخوذين بالعدالة . الوضع اليوم لم يعد كما هو بالضبط . هناك دائماً فوارق هائلة من حيث مستوى الحياة والثروة، لكن التوزيع الجغرافي للتنمية تغير . كتل كبيرة نامية ظهرت في آسيا، في العالم العربي، في أمريكا . إفريقيا نفسها التي يعتقد البعض أنها سائرة إلى البؤس، دخلت في الحراك . هذا النظام العالمي الجديد ليس دائماً سهلاً التعايش معه في دول استولت فيما مضى على الثروات . وأنا أرى العكس، بما في ذلك بالنسبة لهذه الدول فرصة رائعة: فرصة المنافسة بين أكفاء كل منهم يرغب بشدة أن يكون الأفضل . لم نصل بعد إلى هذه المرحلة لكن نحن نتوجه جميعاً نحو عالم أكثر توازناً، حيث نصحح الاختلالات التي فرضتها النهضة الصناعية الأولى، في القرن التاسع عشر والتي أدت حتمياً وبالضرورة إلى تحقيق فوائد إلى اثنتين أو ثلاث من الإمبراطوريات الاستعمارية الهائلة .
* كيف تحلل الاستشراق اليوم؟ وهل تؤيد رؤية إدوارد سعيد تجاه مفهوم الاستشراق أم يجب قراءة هذا المفهوم من جديد . . أي من وجهة نظر التاريخ؟
- الحديث عن الاستشراق معناه التفكير في وجود شرق وغرب . كان هذا الافتراض ليصبح صحيحاً لو لم تكن الأرض كروية . الباحث الصيني الذي يستكمل دراسته حول المجتمع الأمريكي هل هو مستشرق والياباني الذي يهتم بالعالم العربي هل هو مستغرب؟ كيف نقوم بالتالي بتصنيف شخص من جنوب إفريقيا متخصص في المسرح الإليزابيثي؟ هل هو شمالي؟ لم يعد هناك شخص اليوم يستخدم مصطلح استشراق الذي يتفق مع فترة محدودة للغاية من التاريخ حيث كانت أوروبا الغربية تنطلق لغزو العالم محاولة في الوقت نفسه وصفه . الأعمال ذات القيمة العظيمة لادوارد سعيد هي احتجاج على النظرة المشوهة للمجتمعات العربية التي يمنحها علم احتكره متخصصون خرجوا من الدول الاستعمارية . أن تقول إن المتخصصين اليوم ليسوا ضحية لأحكام مسبقة قديمة موروثة من فترات سابقة سيكون دون أدنى شك أمراً مبالغاً فيه . لكن الطريقة الوحيدة لكيلا نقع ضحية لهذه الرؤية، الطريقة الوحيدة لتوضيح الحقيقة - بقدر ما الحقيقة موجودة بالفعل - ليس الاحتجاج على رؤية الآخرين، ليس أن ننكر عليهم حقهم في الكتابة، لكن أن نحمل نحن أنفسنا القلم لنحلل مجتمعنا وتاريخه الخاص .
* ما رأيك في مقولة "النهايات": نهاية الاشتراكية، نهاية التاريخ، نهاية الديمقراطية، نهاية الدولة؟ وكيف ترى النظرية التي طرحها فرانسيس فوكوياما وآخرون حول انتصار وسيادة إيديولوجية معينة؟ وهل تعتقد أنه يمكن الاكتفاء بعالم تسوده إيديولوجية واحدة، قوية ومنتصرة؟
&
- بفضل الله ليس هناك نهاية . تاريخ الإنسان تجديد دائم . كذلك المجتمعات، الثقافات، في حالة تطور دائم ولا تتخذ مطلقاً الشكل الذي كانت عليه في لحظة معينة في وجودها، بالطريقة نفسها تغير الإيديولوجيات بشكل دائم شكلها . أواخر القرن الماضي تميزت بفشل ذريع لأحد أشكال تنظيم المجتمع تعلن أنها وريثة كارل ماركس ولينين . هذا لا ينفي عن كارل ماركس مكانته تطور الفكر الإنساني . الأمر المؤكد أنه لن يكون هناك مطلقاً عودة إلى أشكال من الماضي . الشيء الآخر المؤكد هو أن أحداً لا يمكنه أن يتكهن بالمستقبل . ليس هناك نهاية أخرى مكتوبة في المغامرة الإنسانية غير كارثة تفني وجوده .
* ظهور الأصولية كما نشهدها اليوم . . هل تمثل ردة نحو الماضي أم هي مرحلة جديدة من الحداثة؟
- ليس هناك مطلقاً عودة إلى الماضي . هذا مستحيل مطلق . أبواب الماضي أغلقت بشكل نهائي ومن يدعون أنهم يعودون إليه بالتمسك بأسلافهم (أعتقد أنه في العربية هذا يسمى سلف) لا يمكنهم أن يعيدوا إحياء ماض مثالي، كما يحدث في السينما . كل ظاهرة جديدة هي جزء إذن من الحداثة، دون أن يتضمن ذلك حكم على القيمة . كل ما يعنيه هذا هو أن نعرف ما إذا كان هذا الشكل من الحداثة يفتح بابا للتطور الإنساني أو أنه، على العكس، ينتهي إلى طريق مسدود .
* ما هي، من وجهة نظرك، أسباب فشل الحداثة في كل محاولات في العالم الثالث؟ وما نتائج مثل هذا الفشل؟
- لا أوافق مطلقاً على فكرة فشل الحداثة في العالم الثالث وبالأحرى لم يعد هناك عالم ثالث، ما دام لم يعد هناك عالم ثان . إذا وضعنا في الاعتبار وجهة النظر التاريخية، السؤال الأكبر هو معرفة السبب في أنه، انطلاقاً مما نطلق عليه النهضة - وهي ظاهرة بدأت مبكراً جداً في إيطاليا، منذ القرن الرابع عشر، ومتأخراً أكثر في غيرها - جزء من العالم بدأ ينطلق فكرياً ومادياً، يفكر بشكل أكثر حرية، يعيد النظر في كل الأفكار الموروثة، يحاول أن يفهم العالم ويسيطر عليه، وهو ما منحته الثورة الصناعية في نهاية القرن الثامن عشر القدرة على تحقيقه .
وحدها اليابان في عصر مييجي نجحت في مقاومة الاستعمار وأصبحت دولة حديثة وقوية . هل هذا معناه أن نقول إن الإمبراطورية العثمانية، مصر وتونس فشلت تماماً؟ هذا تبسيط أكثر من اللازم للتاريخ . فعلى أنقاض الإمبراطورية أمكن تشييد تركيا مستقلة تعوض تأخرها اليوم بخطى كبيرة . فيما يتعلق بمصر وتونس، فكلتا الدولتين لم تتمكنا من الفوز في سباق السرعة الذي بدأتاه . لقد أفلتت منهما السيطرة على شكل الحداثة الذي امتلكتاه منذ أن جردتا من استقلالهما في الوقت نفسه تقريبا (1882: احتلال بريطانيا لمصر و1883 اتفاقيات المرسى، التي أفرغت اتفاقية باردو التي وقعها عام 1981 بك تونس وفرنسا من محتواها) .
فشل الحداثة هذا ظاهرة تاريخية . إنها ليست ظاهرة معاصرة . اليوم كل الدول المنتمية إلى ما كان يسمى العالم الثالث انتزعت لنفسها هذه الحداثة، محققة في بعض الحالات نتائج مبهرة .
* في اطار التعددية الثقافية هل تعتقد أن قيمة الإسلام السياسي سوف تتعاظم، وبالتحديد في فرنسا؟
- في فرنسا، من وجهة نظري، المشكلة ليست في الإسلام السياسي . إذا كانت هناك مشكلة - وهناك مشكلة ولا يمكن أن ننكر ذلك - فإنها مشكلة مدرسة، نظام، بطالة . هناك أيضاً مشكلة أمن عام له علاقة بمجموعات محدودة تعلن انتماءها للإسلام، مثل مجموعات في إيطاليا وألمانيا في الثمانينات كانت تعلن انتماءها للماركسية لكي ترتكب نفس نوع الجرائم . فيما يتعلق بالعالم العربي، أعتقد أن الظهور المتطرف لمجموعات أو أحزاب تعلن انتماءها للإسلام السياسي لا يجب أن يمنعنا من رؤية واقع المجتمع الذي يخضع لحالة من التغيير العميق، وهو ما تظهره الثورات العربية، الثورات التي لم يحدث في أي لحظة أن أشارت إلى الدين كمرجع لها . كما يقول المثل: الشجرة لا يجب أن تخفي غابة . لكن دون شك هل من الطبيعي أن يظل البصر مركزاً على ظاهرة تجذب انتباهه منذ وقت بعيد، ما يحول دون رؤيته لواقع جديد يبرز قريباً سوف يصبح سائداً . السؤال الحقيقي اليوم هو أن المجتمعات، في كل مكان تقريباً، بما في ذلك الدول الديمقراطية القديمة، تطلب حق الكلمة . وفي نظري ما يهدد الحوار بين الأفراد وبين الثقافات الناجم عنه هو عدم التسامح والتعصب، هو الاعتقاد المطلق أننا أفضل من الآخرين وأننا وحدنا نمتلك الحقيقة . الحوار لا يمكنه أن يتحقق ما لم نعترف بفكرة أن أن الآخر يمكنه بدوره أن يمتلك جزءاً من الحقيقة . من هم أنصار الإسلام السياسي؟ هل يعترفون بالحوار والديمقراطية؟ هل هم مستعدون لطرح معتقداتهم لموافقة الناخبين؟ هل يحاولون الاقناع أم يريدون فقط الفوز؟
* نرى جيداً أن غالبية الكنديين الناطقين بالفرنسية يؤيدون الحكم الذاتي لإقليم الكيبك، سكان كاتالونيا في إسبانيا يساندون الحكم الذاتي للإقليم، كما يدعم أهالي ويلز في إنجلترا الحكم الذاتي لها . هل تعتقد أن إقامة كونفدرالية في هذه المناطق من العالم من شأنه أن يقدم حلاً لمشكلات الأقليات؟
- كل دولة في أوروبا لها صفاتها الخاصة . وحدة كل منها هي نتيجة لتاريخها الخاص . في فرنسا، التنوع الهائل بين أرض الشمال والجنوب، بين المملكة الغالية والألزاس الناطقة بالألمانية، تم محوه لصالح تحقيق مشروع مشترك، مشروع جمهورية علمانية وموحدة . هل هذا المشروع في خطر اليوم، هل ما زال له مستقبل؟ لا شيء يكتسب للأبد والعقد الاجتماعي الذي يؤسس أمة يتجدد على الدوام . لدى ثقة في مستقبل بلدي . أنا مقتنع أن سكانها سوف يستمرون في رغبتهم في العيش معاً، الحلم معاً، بناء مشروعات مشتركة مع البقاء منفتحين على الشعوب الأخرى في أوروبا والعالم . هنا تكمن رؤيتي للوطنية . لست على دراية كبيرة بالوضع في كندا، في بريطانيا وإسبانيا . أعرف ببساطة أنه في الكيبك، لم تتمكن أية أغلبية حتى الآن من الاتحاد لصالح الاستقلال . في اسكتلندا، يجري الاستعداد لإجراء استفتاء، لكن استطلاعات الرأي تتوقع فشل أنصار الاستقلال . سوف نرى جميعاً ما ستكون عليه النتيجة . تبقى حالة كاتالونيا، المتحدة مع إسبانيا على امتداد تاريخ مشترك لا يقل عمره عن خمسمئة عام . لا أدري كيف ستحل هذه المشكلة . القائمة يمكن أن تضاف إليها الحركة الفلمنكية . هل يجب أن نحطم إلى قطع صغيرة كيانات سياسية أقامها التاريخ؟ لكن يجب الانتباه: أين تتوقف هذه الحركة من مطالب الهوية؟ ألن نجد في كاتالونيا أقلية تطالب هي أيضاً بحقها في تقرير المصير؟ كل قرية، كل حي سيكون له الحق أن يفعل الشيء نفسه إذا سرنا على هذا المنطق . ألن يكون هناك تعارض في الرغبة أولاً في الرغبة في فصل ما هو قائم لكي نوحد لاحقاً كل شيء في كيان أكبر، عالمي مثلاً؟ هل سوف تجد الديمقراطية فيها مكاناً؟
* هل تعتقد أن فرنسا سوف تتمكن بسهولة من حل المشكلات التي يفرضها عليها وجود أعداد كبيرة جداً من المسلمين على أراضيها من جانب وتصاعد المشاعر المناهضة للإسلام "الاسلاموفوبيا" من جانب آخر؟
- لقد شيدت الجمهورية الفرنسية على المساواة بين كل المواطنين ووحدة الأمة . خلال مناقشات الجمعية الوطنية الأولى للثورة الفرنسية ترددت هذه الكلمات المشهورة التي تعتبر اليوم أيضاً علامة على فلسفة دولتنا فيما يتعلق بالمواطنة: "يجب أن نرفض كل شيء لليهود كأمة ونمنح اليهود كل شيء كمواطنين . لا يجب أن يقيموا في الدولة لا كياناً سياسياً ولا نظاماً . يجب أن يكونوا مواطنين كل بمفرده" . وبدلاً من كلمة يهودي يمكن أن نكتب بوذياً، مازدياً، بهائياً أو مسلماً . ديانة المواطن لا تعني الدولة في شيء وليس للدولة من دور، في هذا الشأن، غير أن تفرض احترام النظام العام . هذا الموقف حقيقي تماماً حتى إنه في عام 1905 قطعت آخر الصلات التي كانت تربط فرنسا بالكنيسة الكاثوليكية . الدين إذن مسألة فردية تنتمي لدائرة الحياة الخاصة . المنتخبون عن الأمة لا يستندون إلى التعاليم الدينية عندما يسنون القوانين، وهذه القوانين، ما أن يتم التصويت عليها، تطبق على الجميع . وبما أن الجمهورية لا تمنح أي وضع قانوني لا للانتماءات الدينية ولا للانتماءات العرقية، فمن المستحيل أن نقول كم يوجد من الكاثوليك أو من المسلمين أو البروتستانت أو اليهود في فرنسا .
* الربيع العربي أحدث تغييرات مختلفة في العالم العربي . ما هو في رأيك تأثير هذه التغييرات في العلاقات بين العالم العربي والغرب؟
- الربيع العربي، كما أطلقت عليه وسائل الإعلام، حتى لو كان قد حدث في قلب الشتاء، هو أحداث جسام ما أبعدنا حتى الآن عن قياس كامل تأثيراته . العالم العربي يعود للظهور بشكل مأساوي على الساحة العالمية بعد خمسة قرون من التاريخ، وقد عاش بعد انهيار الإمبراطورية العثمانية عام 1923 بين واقع يقوم على الاغتراب والقهر يبعث على اليأس وايديولوجيات رومانسية وغير فعالة في الوقت نفسه . الثورات العربية في شتاء 2011 هي نقطة بداية نهضة عاش العرب ينتظرونها لمدة قرنين من الزمان وهم محبطون . الثوار الشباب التونسيون والمصريون لم يطلبوا إحياء "أمة عربية لها مهمة خالدة" لم يسعوا إلى العالمية، لقد صرخوا بملايين الأصوات: "عيش، حرية، عدالة اجتماعية" . خبز، مثلما حدث عام ،1789 خبز لا يمكن للحياة أن توجد بدونه، حرية الحياة بدونها ليست سوى عبودية وعدالة اجتماعية بدونها الحرية ليست أكثر من غابة تخضع لقانون الأقوى . بهذه الشعارات الشديدة التفاؤل والواقعية في آن واحد، دخل الشباب المصري والتونسي إلى الحداثة . معركتهم لم تنته بعد . سوف تكون هناك بالتأكيد احباطات، معوقات، تراجعات إلى الخلف لكن تكون هناك عودة لحالة البداية . بالنسبة لأوروبا، البعث العربي عنصر شديد الإيجابية . أوروبا والعالم العربي هما الجزآن المنفصلان اصطناعياً لنفس الواقع الجغرافي، واقع مركزه هو حوض البحر المتوسط . هذان الجزآن في حالة أحدهما إلى الآخر لكي يواجها معاً تحديات العولمة . العالم العربي المتحرر من قمعه وأوروبا المتحررة من أفكارها المسبقة يمكنهما أن يتواجدا كمركز ثقل للتوازنات الكبرى في العالم .
* بصفتكم رئيساً لمعهد العالم العربي بباريس ماذا عن التقارب بين الفرانكفونية والعربية؟
- هناك جانب ثقافي تعتبر الفرانكفونية قريبة منه بشكل خاص وهو الانتماء للغة العربية . بحكم التاريخ والوضع الجغرافي، فإن فرنسا على صلة وثيقة بالدول المطلة على البحر المتوسط . هذه العلاقة اتخذت أشكالاً متباينة . وتأثرت بشكل خاص خلال القرنين الماضيين بتجربة الاستعمار . أياً كانت الصلات الوثيقة التي نجمت عنه . أربع دول أعضاء في جامعة الدول العربية تنتمي أيضاً إلى الفرانكفونية هي المغرب، تونس، مصر ولبنان . في دول المغرب ولبنان تستخدم الفرنسية بشكل يومي . في فرنسا لغتنا المشتركة تشارك بقدر كبير في تشكيل النخبة . ومع ذلك إذا كانت اللغة الانجليزية تملك الأولوية، فإن الفرنسية تأتي تالياً، متقدمة بكثير على اللغات الأخرى . هذه المعرفة بلغة مشتركة تيسر كثيراً الحوار . ومع ذلك فهو حوار غير متكافئ نظراً لأن معرفة اللغة العربية ليست منتشرة في فرنسا، كما يجب أن تكون إذا كنا نأخذ في الاعتبار القرب الجغرافي والتاريخي وحقيقة أن عدة ملايين من الفرنسيين أصولهم من دول عربية . من جانبي أشعر بالأسف لهذا التفاوت وأعتزم، بصفتي رئيساً لمعهد العالم العربي، أن أكافح لأعالج المسألة .
&















التعليقات