يوسف الديني

جزء من أزمة فهم وتحليل ومعالجة الإرهاب، أنها تتم من شخصيات وجهات تحاول الانتفاع من الصعود المدوي لصوت «الموت» الذي تمثله جماعات العنف المسلح وعلى رأسها «داعش»، وعبر الانتقال والتطور في كل مرة بحسب الظروف المحيطة، والآن ننتقل إلى مرحلة جديدة من إرهاب معولم ثم الإرهاب السياسي الذي دشنته «داعش» إلى إرهاب الأفراد الفوضوي الذي لا يحقق للانتحاري أي هدف سوى أنه وقود مجاني لتنظيم يجمع بين الشعارات الدينية والأهداف السياسية بعيدة المدى.


من الخطأ في كل عملية استئناف عملية استحلاب الإرهاب عبر تمرير أجندة سياسية كما تفعل بعض أصوات الإسلام السياسي التي ترى في كل إرهاب مهما كان نوعه جزءا من تبعات عدم تمكينهم، في حين أن بعض الأصوات الليبرالية تحاول تمرير موقفها من «التشدد الديني» في كل عملية إرهابية، في حين أن تفسير الظاهرة فقط بالتشدد الديني يختزلها ولا يجيب عن أسئلة كثيرة تتصل بتضاؤل العامل الديني في إرهاب «داعش» وتقلصه إلى شعارات تحريضية لكنها الظاهرة في صورتها الكبيرة أبعد بكثير من تضخيم عامل واحد، لذا يجب أن يدرس كل نوع من الإرهاب بشكل مستقل.


انتهى زمن التجنيد المباشر والإرهاب الجمعي الذي هو أقرب إلى التحشيد ضمن فكرة مقدسة كالجهاد وإن كان خارج الضوابط الشرعية، وتلاه إرهاب «الهويّات القلقة» الذي شهدناه مع مجموعات من الأوروبيين من أصول إسلامية لم يستطيعوا الاندماج مع الواقع بسبب أزمة هويّاتية، لنصادف اليوم إرهاب «الفرد» وهو نوع جديد وخطر تتضاءل فيه العوامل الدينية والسياسية ويتضخم العامل النفسي والعصابي و«الفكرة المسيطرة».


تبدأ الحكاية بقتل الذات، فعبد الله الرشيد تخلى عن ذاته التي تشبه أفرادا كثيرين يعيشون بيننا، وتحول إلى «أبو عمر النجدي» الإرهابي الذي يريد تعزيز حضور أجندة «داعش» في السعودية ولو على حساب حياته وأسرته وخاله الذي ربّاه وقدم له الكثير، هذه اللحظة لم يعد عبد الله الرشيد كما كان حتى في حسابه عبر «تويتر» مجرّد شابّ متشدد في بعض الآراء الدينية لكنه لا يختلف كثيرًا عن أبناء جيله ممن تلقوا مصادر التلقي ذاتها وتفاعلوا مع محتوى «تويتر» التحريضي، كما أنهم لا يخضعون إلى برامج مجتمعية ومبادرات تخصهم يمكن أن تساهم على الأقل في تحصينهم من الانتقال إلى محاضن الإرهاب الإلكترونية.


تتبع مشاركات عبد الله الرشيد في حسابه عبر «تويتر» منذ افتتاحه وإلى لحظة تحوله إلى «أبو عمر النجدي» التي لم تدم أكثر من عشرة أيام يظهر اضطرابًا شديدًا في المواقف بسبب قصوره عن فهم الظواهر السياسية والتحولات الإقليمية، وزاد الطين بلة دخوله في تفاصيل المد الطائفي الذي تشهده المنطقة وما تسببه من استقطابات دينية حادة ومتشددة في حين أنها مبنية على محددات سياسية يقصر عنها فهم مراهق بالكاد بلغ العشرين.
ظلت ظاهرة الانتحاريين لأجل قضية ما ظاهرة غير اعتيادية في العالم ألقت بألغازها ورعبها باعتبارها جزءًا من الإرهاب المقدس، لكن هذا النوع الجديد من إرهاب الأفراد الفوضوي الذي لا يستند إلى قضية سوى نصرة دولة خلافة وهمية استطاعت بيع الشعارات بطريقة تسويقية ذكية تداعب سلم القيم لدى المراهقين الذين يبحثون عن دور ما في حال أنهم أهملوا من أي برامج تستهدف إشكالياتهم النفسية منذ بلوغهم وحتى نهاية عقد العشرين المليء بالتساؤلات والحيرة.


وبحسب تيري إيغلتون الذي فحص العمليات الانتحارية يعتبر الفعل تمزقًا إنسانيًا يلقي بظلاله على القاتل والضحية والمتضررين منا لحدث وقد يستمر هذا التمزق لسنوات طويلة، في حين أن الفعل وهو بنسبة كبيرة خيار فردي لشخصية مأزومة ومستلبة تمر بظروف نفسية، لم يتم معالجته، وبسبب وجود منافذ لتقبل هذه الشخصيات المأزومة وأبرزها الآن «داعش» والمخدرات والممارسات السلبية للمراهقين يطول أو يقصر تعايش الشخصية المأزومة مع الواقع إلى أن تحين لحظة الانفصال وتخلق شخصية جديدة «أبو عمر النجدي» لم تعد حياتها تساوي لديها شيئًا.


وتتحدث الكتب التي رصدت الظاهرة، وهي كثيرة ومتاحة، عن الخوف من تحول ثقافة «الانتحار» بدوافع دينية وشعارات مقدسة إلى ما يسمى بـ«الانتحارات العنقودية» وهي موجة من القناعة بأهمية فعل شيء من أجل نصر قضية ما متوهمة تقود طائفة من الشباب المأزومين من فئة معينة أو جهة أو منطقة أو الخاضعين لضغط مرحلة ما إلى القيام بذلك بشكل يتحول من حادثة فردية مؤطرة نفسيًا إلى ظاهرة جمعية تستدعي التوقف عندها وهذا ما لا نأمله مع تمدد خطاب «داعش» وتدهور أوضاع المنطقة واستمرار غياب برامج الوقاية للشباب، وكلنا يتذكر ظاهرة الانتحار التي أعقبت فترة الحرب العالمية الثانية في فئة الشباب المجندين بالولايات المتحدة، ويطلق على ظاهرة الانتحار الجمعي لنصرة قضية ما أو تأثرًا بأوضاع مزرية أو رحيل شخصيات رمزية «تأثير فيرتر» نسبة لكتاب غوته الشهير «آلام فيرتر».


وبإزاء الإرهاب الفردي نحن بحاجة إلى خطة عمل طويلة الأمد لا تقتصر على الجانب الأمني أو المؤسسات الرسمية، فالكل مسؤول ومستهدف في أسرته وأبنائه، فالخطاب الإرهابي اليوم لا يجند فئة معينة بشروط معينة تراعي مسألة الخصوصية والسرية، بل أصبح يمارس كل أنواع التسويق والحشد وباحترافية تجعله قادرًا على الوصول لجميع الفئات (داعش تتيح تحميل لعبة مجانية بعد تحويرها لتصبح لعبة قتالية تحاكي واقع دولتها في العراق والشام) وحتى الآن يصر بعض المترددين في اتخاذ موقف صارم من الظاهرة الحديثة مكتفيًا بالاعتذار البارد «إخواننا بغوا علينا»!