هدى الحسيني

اقترب رفع العقوبات عن إيران، وتضخمت التوقعات خصوصًا بالنسبة إلى سياسة إيران الخارجية. كان أكثر المتنفسين الصعداء محمد جواد ظريف وزير الخارجية الإيراني، الذي اعتبر في مقال نشرته صحيفة «نيويورك تايمز» يوم الأحد الماضي أن العالم كله سيحتفل بتطبيق الاتفاق حول برنامج إيران النووي. في المقال يعطي ظريف صورة جد وردية عن إيران «الضحية»، التي منذ مجيء حسن روحاني إلى الرئاسة تردد على لسانه أن أولوية سياستها الداخلية الصداقة مع كل الجيران، والسلام والاستقرار في المنطقة والتعاون الدولي ومحاربة التطرف. وبعدما أبلغ قارئه الأميركي بأن كل ما يجري في المنطقة تتحمل مسؤوليته السعودية في وقت كان فيه رد إيران ضبط النفس، انتهى إلى القول: «إن الحذر من جانب واحد غير قابل للاستمرار».


بعض الأميركيين يريدون تصديق هذه الصورة، يعرف ظريف ذلك جيدًا، وهؤلاء البعض يعتقدون أن روحاني سيقود مسيرة تحرير إيران من الثورة إلى الدولة. لكن لسوء حظهم لن تكون هناك سياسة إيرانية خارجية سلسة أو أقل عدوانية، فالرئاسة ووزارة الخارجية اللتان فاوضتا على الاتفاق النووي لا سلطة لهما على أجهزة الجيش والشرطة والاستخبارات، والذين يسيطرون على كل القرارات هم الحرس الثوري ووزارة الأمن والاستخبارات ومكتب المرشد الأعلى. ومنذ التوقيع على الاتفاق لم يتقلص نفوذ المتشددين في إيران الذين يسيطرون على كل هذه المؤسسات. ومن المؤكد أن الفئات العسكرية والدينية ستستغل أي فرصة تنشأ بسبب الاتفاق، وتنقض بوحشية لسحق أي محاولة من جانب الإصلاحيين تسعى إلى مزيد من الحرية السياسية أو الإصلاحات الاجتماعية.


الذين ينتظرون إيران جديدة يعزون السبب إلى أن الاتفاق سيدفع إلى علاقات أفضل بين واشنطن وطهران.


هذا الافتراض قائم على أن البراغماتيين الإيرانيين الذين استقووا بنجاحهم في رفع وشيك للعقوبات الاقتصادية عن إيران سيتحركون لتغيير السياسة الخارجية الإيرانية بشكل كامل. ويعتقد المتفائلون الغربيون أن أنصار روحاني الشباب سيجبرون بطريقة أو بأخرى النظام المتجذر على إجراء إصلاحات تؤدي إلى تحسين حقوق الإنسان وتحرير المجتمع من السياسة التي تقيده. بنظرهم على ما يبدو، فإنه عندما تصبح طهران أكثر اندماجًا مع العالم الغربي وتطور علاقات دبلوماسية طبيعية معه، فإن سياستها التوسعية الإقليمية ستصبح مدجنة ويمكن السيطرة عليها. لكن، نظرًا لطبيعة النظام السوداء والقاتمة، ونظرًا لتصرفاته المستفزة للدول الأخرى، فإن كل هذا التفاؤل الغربي يفتقد المصداقية، خصوصًا إذا أخذنا في الاعتبار بيانات القيادة الإيرانية العدائية طوال 35 سنة، وتصرفاتها السرية (عبر خلايا وصل انتشارها حتى أميركا الجنوبية) وسلوكها العدائي لخدمة مصالحها الذاتية التوسعية. هناك سوابق كثيرة لآمال عالية بنى عليها الدبلوماسيون الغربيون الكثير، ما لبثت أن تبددت. لن نعود في التاريخ بعيدًا، ففي 4 من هذا الشهر اتهم المرشد الأعلى خامنئي الولايات المتحدة بأنها تسعى للتأثير على الانتخابات الشهر المقبل.


خلال اجتماع لأئمة المساجد قال إن هناك محاولات من «الأعداء» لإبعاد إيران عن مسيرة ثورتها، لكنها ستبوء بالفشل: «إن عيون الأميركيين تتربص طامعة بالانتخابات، لكن هذه الأمة العظيمة واليقظة إيران ستتصرف بما يتعارض مع إرادة الأعداء، سواء أكان ذلك في الانتخابات أو في قضايا أخرى، وكما فعلنا من قبل سنوجه لهم لكمة في الفم».


وكان خامنئي، الذي تفوق سلطته كل سلطات روحاني وظريف، حذر بعد التوقيع على الاتفاق في يوليو (تموز) الماضي، من أن أميركا ستحاول التسلل إلى إيران. وفي لقائه مع خطباء المساجد ركز على التسلل واحتمال أن يصل المتسللون إلى البرلمان أو مجلس الخبراء، فهؤلاء سيكونون «النمل الأبيض الذي سيعمل على نخر الأسس وإضعافها من الداخل».


بعد فوز محمد خاتمي في انتخابات الرئاسة عام 1997 «قرر» أغلب المحللين الأميركيين أن التطور الليبرالي للثورة الإيرانية بدأ بالفعل. لكن، وكما أصبح معروفًا، فإن العكس هو الذي حصل. اغتيل أو اختفى العشرات من المعارضين السياسيين، وعندما استحوذ أنصار الليبرالية على المبادرة من أجل تسريع الإصلاح، نشرت قيادة الحرس الثوري رسالة (بين الموقعين عليها قاسم سليماني) تهدد بحل رئاسة خاتمي، عندها أوقف خاتمي صديق الطفولة وحليف خامنئي على الفور كل محاولات الإصلاح، وجلس يراقب كيف زجت وزارة الاستخبارات والحرس الثوري بمستشاريه في المعتقلات. بعد خاتمي جاء الأكثر رجعية في تاريخ هذا النظام محمود أحمدي نجاد رئيسًا، واليوم يعاقب أي صحافي ينشر خبرًا أو صورة لخاتمي الممنوع من السفر.


حاليا العديد من الدبلوماسيين الأميركيين والمشرعين في الكونغرس ورجال الأعمال الذين لديهم مشاريع دولية متفائلون، تشبه توقعاتهم بمرحلة روحاني تلك التي رافقت رئاسة خاتمي. الواقع بالنسبة إلى روحاني هو أنه موثوق من النظام، أكثر مما كان عليه خاتمي، فهو شارك عن كثب في كل القرارات العسكرية والسياسية التي اتخذتها الثورة منذ 35 عامًا. المشاركة في اتخاذ القرارات لا تعني السلطة.


روحاني لا يمكنه تحرير المجتمع الإيراني من قبضة المتشددين إلا إذا «باركت» المؤسسات الدينية عملية الإصلاح، وقد سارعت هذه إلى خنق أي تحرك لتخفيف القوانين الاجتماعية والسياسية الداخلية القمعية.
خامنئي يعيش هاجس تسلل الجواسيس: «الشيطان الأكبر» لن يصبح «الملاك الأبيض»، إذ لا توجه اللكمات إلى الملائكة. في استعداده لتوجيه «اللكمة إلى فم أميركا» جاءت تعليقاته مع التحضير للانتخابات البرلمانية وانتخابات مجلس الخبراء، ويعرف خامنئي والمشددون معه أن المعتدلين والإصلاحيين سيسعون لانتزاع السيطرة على البرلمان، الذي يهيمن عليه المحافظون حاليًا، على خلفية الصفقة – الاتفاق، التي حققها روحاني - ظريف. كلمة «تسلل» التي كرر استعمالها خامنئي لن تتأخر في أن تصبح الوصف الذي يحيط بهؤلاء.


في مقاله في «نيويورك تايمز» لم يأتِ ظريف على ذكر الانتخابات المنتظرة في إيران أو «سيف ديموقليس» المسلط على كل مرشح، بل روى ما جرى للسفارة السعودية في طهران، فبدا كأنه نعامة تدفن رأسها في الرمال. قال إن الإدانة لهذا العمل صبت من أعلى المستويات (حتى الآن لم يدِن المرشد الأعلى الهجوم، أو الحرس، أو خطباء المساجد) قال: «أعلنا عزمنا على تقديم الجناة إلى العدالة». أيضًا هذا أمر مستبعد. مقارنة صغيرة: ما زالت الدنيا مقلوبة في ألمانيا بعد الذي حدث ليلة رأس السنة في كولونيا، ويتعرض المسؤولون هناك للضغوط للكشف عن مزيد من تفاصيل حول تقاعس رجال الشرطة في حماية الناس والنساء بشكل خاص. أقيل قائد شرطة كولونيا، لأن الشرطة ضللت وسائل الإعلام حول الدور السيئ الذي قام به مهاجرون. المستشارة أنجيلا ميركل تتهاوى شعبيتها. فمن الذي يتحمل المسؤولية في إيران، ليس فقط عن الهجوم على القنصلية السعودية في مشهد أو على السفارة السعودية في طهران، إنما عن كل السياسات الخارجية المعتمدة تجاه المنطقة.


يعرف ظريف أن الغرب لن يطالب إيران بشيء. سيتحمل اتهامات خامنئي، ويتحمل تلاعب روحاني وظريف. لقد أراد شيطنة الدول العربية ويريد تجميل صورة إيران. إنه يزرع، وعن قصد، بذور حرب طويلة المدى. ولن تنفتح إيران على الغرب بل ستزداد عزلتها إقليميًا ودوليًا.
&