خليل علي حيدر

لم توقظ فداحة الَخطْب تماماً العالم العربي وشعوبه بعد الخامس من يونيو 1967، بل على العكس، قذفت بهم بعدها إلى بطون التيّارات الدينية والجماعات الإسلامية الحزبية لنحو نصف قرن.. أي حتى اليوم!

انفردت هذه التيّارات بعقول الشباب رجالاً ونساء لسنوات، وفي أغلب الدول العربية والإسلامية لا يزال الفكاك منه من المستحيلات.


تزعزع شيء من نفوذ هذه التيّارات والجماعات بعد حرب الخليج في أزمة الكويت عام 1990، أو بعد ذلك بعشر سنوات في كارثة 11 سبتمبر 2001، وربما كذلك مع تطورات «الربيع العربي»، إذ فقد هذا التيّار نفوذاً واسعاً في موطنه الأم مصر. ولكن لا تخدع نفسك، فالمرض في مرحلة سكون، والفيروس في حالة كمون. وإذا لم نواصل التداوي والعلاج، ونستمر في نشر الوعي وأخذ الحيطة، فقد يعود ربما أقوى وأغدر، كالـ «حمى الراجعة» التي يسميها الأطباء، ولنتذكر كيف سيطر فجأة متسللاً من بين الصفوف على مصر في انتخابات عامة بعد ثورة شعبية شبابية كاسحة عام 2011، لم يكن في مقدمة دعاتها أو المشاركين فيها، ثم بات على رأس من جنى قطافها!

كيف ألقت أشجار هذه الغابة الكئيبة المتوحشة بأغصانها المخيفة المتشابكة وبظلالها علينا نصف قرن في مصر والسودان، وفي دول الخليج وشمال أفريقيا، وفي لبنان، وسوريا، والعراق، وإيران.. وكل مكان؟

وكيف نجحت بحنكة واقتدار في غزو سياسي شامل دمر في الثقافة الاجتماعية كل قيم الحداثة والاعتدال، التي فشلت حتى الديكتاتوريات العربية في القضاء عليها، وكيف استطاعت فرض تدين متزمت على الرجال والنساء ومناهج الدراسة وتوجهات الإعلام وكل مناحي الحياة، فلم يعد أهل السُنة كما هم، ولا أتباع التشيع على ما هو، وغاب التسامح الديني والتمتع بالحياة عن معظم هذه البلاد والمجتمعات. كانت البداية اختيار أيديولوجية بديلة عمّا كان يدعم الديكتاتوريات فتم اختيار الإسلام السياسي الحركي الحزبي، الكامن منذ 1928 في مصر وغيرها. ورغم أن التيّار القومي نشط في «حرب الاستنزاف» وحرب أكتوبر 1973، إلا أن موجات الصحوة والطفرة الدينية كانت عاتية، وبخاصة بعد أن ارتفع سعر النفط وتراكمت الملايين والمليارات، فاستغلت «الحركات الإسلامية» هذه الثروة للتوسع والهيمنة. يرسم الكاتب السعودي د. حمزة المزيني مراحل هذا الزحف الذي بدأ بالدعوة إلى «الالتزام»، أي الاهتمام بالشعائر والمظاهر الدينية كبديل للتهافت على الدنيا، وكرد على «تيّار الهزيمة» وما يمكن أن «يقود الأمة إلى النصر». وفي المنطقة الخليجية هاجم الإسلاميون الإخوانيون والسلفيون حركة جهيمان وجماعات العنف كي تنفتح الدول عليهم وتزداد الثقة بنواياهم ويتعمّق الاعتماد عليهم.

ومكنتهم الوفرة المالية الهائلة من السيطرة المحكمة، يقول د. المزيني، «إذ تلقت دعماً مالياً غير مسبوق. فقد وجد بعض الأثرياء «التبرع» لها طريقاً لكسب الثواب، واتخذه بعضهم وسيلة للوجاهة، ورآه بعض آخر طريقاً لصيانة سمعته من تطاول الناشطين فيها».

وهكذا زاد بناء المساجد وتمويل الدعاة وظهور الجماعات والمخيمات والمحاضرات الدينية وطبعت عشرات الملايين من الكتب والنشرات إلى جانب الأشرطة الصوتية والفيديو.

وترافق مع هذا التوجه- يقول- حدثان أديا إلى التمكين لهذا التيّار هما الثورة الإيرانية والغزو السوفييتي لأفغانستان، وما نجم عن الحدثين. وقد حاولت الأولى تصدير «الثورة» إلى دول الجوار، أما الثانية فنفخت في أبواق «الجهاد» ضد الكفار، وشمل الاستنفار إنشاء مؤسسة «إغاثية» كبرى لم يكن أحد يتردد في التبرع لها. وهكذا، «لم توجه كثير من تلك الأموال إلى إغاثة المواطنين الأفغان فقط، بل إلى تعزيز النشاطات العسكرية وتدريب «الشباب» وبرمجتهم ليلتحقوا بصفوف الحركات المسلحة في مرحلة لاحقة داخل أوطانهم وبخاصة بعد خروج السوفييت من أفغانستان.

ومن أبرز نتائج هذه الهيمنة السياسية والعسكرية في دول عديدة التفرغ للمناهج الدراسية لخدمة التيار، وصارت المدارس هدفاً له، فكان الدعاة يوجهون ليلقوا المحاضرات فيها، لا بقصد نشر مفاهيم هذه الجماعات وأفكارهم الحزبية، «بل كان القصد الأول منها جلب الطلاب والطالبات إلى صفوف التيار. كما تبنى التيّار في دول خليجية عدة عدداً كبيراً من المدرسين والمدرسات، سخّرهم لبث برامجه في المدارس عن طريق «المنهج الخفي»، الذي سعى إلى برمجة الطلاب والطالبات.

وفي دول أخرى دخل التيار مجال تقديم الخدمات والاهتمام بالطبقات الشعبية والأحياء الفقيرة، واهتم في الوقت نفسه باستقطاب أبناء الطبقة المتوسطة الطموحين والممثلين وبعض رجال الأعمال وطلبة الجامعات. ويقول د. المزيني في كتابه «في مواجهة التشدد»، بيروت 2012، ص 257، «إن التيّار لم يتأثَّر بتراجع أسعار النفط في أواسط الثمانينيات الذي لم يصل أثره إلى مصادر تمويله بسبب قصر مدة ذلك التراجع، وساعدت الظروف السياسية منذ أوائل التسعينيات على بقائه لإيحائه بأنه يقود الصمود ضد التدخل الأجنبي في المنطقة».

أنصار «الجهاد الديني» من رجال الدين والكتاب، لم يلتفتوا للأسف فما أن أجمع رجال الدين على شرعية «العمليات الاستشهادية»، كما سموها في نشراتهم، حتى تحولت إلى كابوس عربي إسلامي لا يزال جاثماً على نفوس المجتمعات في تونس، وليبيا، والمغرب، ومصر، والعراق، والدول الخليجية! متى تبدأ يقظتنا الحقة؟
&