&رضوان السيد

&

ما كان يمكن أن يمر موقف وزير الخارجية اللبناني من إحراق السفارة السعودية بطهران، والقنصلية بمشهد من دون رد. فقد زعم الوزير العوني، حليف نصرالله، في اجتماع الجامعة العربية، ثم مجلس التعاون الإسلامي، أنّ موقفه هو موقف «النأي بالنفس»، أي عدم الاستنكار، بحجة أنّ الاستنكار تبعاً للإجماع العربي والإسلامي بل والعالمي، إنما يهدد «الوحدة الوطنية اللبنانية»! وقد قال الذين كانوا يؤيدون الاستنكار من اللبنانيين -وليسوا جميعاً من المتحزبين لهذا الطرف أو ذاك بداخل لبنان– إنّ موقف باسيل شاذ، لأنّ لبنان العضو المشارك في تأسيس الجامعة في الأربعينيات هو الذي طالب بألا تكون قرارات الجامعة ملزِمة إلاّ إذا كانت إجماعية. وهو الأمر الذي سارت عليه السياسة الخارجية اللبنانية منذ الاستقلال. والنأي بالنفس، أو الحياد، فهو يحصل إذا كان هناك خلافٌ بين دولتين عربيتين، لأنّ سياسات المحاور ليست في مصلحة لبنان. أما الإجماع الذي تحقّق فما كان حوله خلافٌ عربيٌّ- عربيٌّ. وأما «الوحدة الوطنية» التي تحجّج بها باسيل وأنصاره فلا علاقة لها بالنأي بالنفس أو الحياد؛ وبخاصةٍ أنه هو وفريقه وقفوا وما يزالون مع تدخل الحزب العسكري في سوريا، على رغم الخلاف الداخلي الشديد من حوله!

إنّ الذي قامت به المملكة رداً على تصرف وزير الخارجية في المناسبتين، هو أنها أوقفت المساعدات للجيش اللبناني وقوى الأمن الداخلي وهي تتراوح بين 3 و4 مليارات دولار، كانت تشتري المملكة بها أسلحةً من فرنسا لتقوية الجيش اللبناني وتجديد تسليحه، والرفع من جهوزية قوى الأمن الداخلي.

لماذا كان الردّ السعودي متوقَّعاً؟ لأنّ «نأْي» باسيل ما كان منفرداً ولا معزولاً. فمنذ عام وأكثر بدأ الأمين العام لـ«حزب الله»، حليف عون وتياره، يهاجم المملكة ويتحداها، ويدعو لمقاتلتها كما تفعل إيران، تارةً بسبب تدخلها في اليمن حفاظاً على أمنها واستعادة الشرعية، وطوراً لأنّ المملكة تدعم المعارضة في سوريا ضد الأسد، والذي أرسلت إيران عشرات الألوف من مليشياتها، وفي الطليعة «حزب الله»، لدعمه في مواجهة الشعب السوري الثائر. ووصل الأمر بالأمين العام للحزب إلى اتهام المملكة بالإرهاب صنعاً ودعماً! وآخِر طرائفه الزعم أنّ إسرائيل تقتل العرب السُّنة، كأنما الذين تقتلهم المليشيات الإيرانية في سوريا والعراق، وتهجّرهم من أرضهم، ليسوا عرباً ولا مسلمين!

بعد تجاذُباتٍ بشأن تصرف باسيل لأسابيع، اجتمعت الحكومة اللبنانية يوم 23/2، وقرر مجلس الوزراء بالإجماع التزامه بالإجماع العربي، وضرورة تصحيح العلاقات مع السعودية بالنظر لعلاقات الأخوة، وللمصالح اللبنانية العليا. وكان من ضمن الوزراء الذين وافقوا على القرار وزراء عون ونصر الله. لكنّ جبران باسيل خرج من مجلس الوزراء، وعاد للتصريح بالتناقض بين الإجماع العربي والمصلحة الوطنية اللبنانية! وقد ردَّ عليه رئيس الحكومة، لكنّ كثيرين من الإعلاميين والسياسيين، رأوا أنّ قرار مجلس الوزراء ما كان قوياً بما فيه الكفاية، لأنّه لم يُدنْ موقف باسيل، ولا اعتذر عنه!

مساء يوم 23/2، وبعد صدور قرار مجلس الوزراء، صرَّح الرئيس سعد الحريري أمام حشدٍ في دارته باستنكار كل ما حدث وتراكم، وأكّد على عروبة لبنان، والتزامه قرارات الإجماع العربي، وناشد المملكة عدم التخلّي عن لبنان والدولة اللبنانية. وقال مجلس الوزراء السعودي إنه لن يتخلّى عن لبنان، لكنه متمسكٌ بقرار إيقاف المساعدات.

هل ينتهي الأمر عند هذا الحدّ؟ لا يبدو ذلك. لأنّ الصراع العربي- الإيراني متفاقمٌ في كل مكان، و«حزب الله» الذي يسيطر على كثيرٍ من دوائر القرار، يعمل رأس حربةٍ للمحور الإيراني ليس في الداخل اللبناني فقط؛ بل وفي سوريا والعراق واليمن والبحرين والكويت. وهمُّ باسيل واهتمامه الوحيد أن يظل الحزب وإيران مع ترشيح عون للرئاسة. ويا للعرب!