رغيد الصلح
&
خلال أسابيع قليلة، أي في السادس من مايو/أيار المقبل تحل الذكرى المئوية لاتفاقية سايكس-بيكو بين بريطانيا وفرنسا بصدد تقاسم الولايات العربية العثمانية عند انتهاء الحرب العالمية الأولى. وبعدها بأسابيع أخرى، أي في الثالث والعشرين من يونيو/حزيران تنظم الحكومة البريطانية استفتاء حول مصير عضوية المملكة المتحدة في الاتحاد الأوروبي.
&
هل تكون بين هذين الموعدين صلة تتجاوز التقارب الزمني؟ في تقديري أنه نعم، هناك صلة بين التاريخين. هناك صلة بين اتفاقية كان لها الدور الكبير في التأثير في مصير المشروع الإقليمي العربي وبين استفتاء سوف يؤثر، ولو تأثيراً محدوداً، في مصير الاتحاد الأوروبي ومصير المملكة المتحدة.
&
إن أغلب السياسيين الذين لعبوا أدواراً مهمة في تاريخ المنطقة العربية والمؤرخين الذين تخصصوا في دراسة تاريخها يؤيدون الرأي القائل بأن اتفاقية سايكس-بيكو أثرت في تطور المنطقة، ولكنهم يختلفون على حجم هذا التأثير ونتائجه، خاصة البعيدة المدى. فالمؤرخون الذين أيدوا الاتفاقية وروجوا لها وسعوا إلى إضفاء شرعية عليها وعلى «التفاهم الودي» الذي أسس لها ابتداء من عام 1904، اعتبروا أن تقسيم الولايات العربية العثمانية لم يكن من فعل الإمبرياليات الأوروبية (فرنسا، بريطانيا، إيطاليا، إسبانيا) بل إنه كان «معطى» من صنع تاريخ المنطقة وجغرافيتها.
&
لقد كانت البلاد العربية بمشرقها ومغربها مقسمة إلى ولايات وإدارات وكيانات تشكل أجزاء من الإمبراطورية العثمانية، فلما انتهت الحرب وحلت الإمبرياليات الأوروبية في تسيير المنطقة بدلاً من السلطنة العثمانية، ولما تم التفاهم وتبلورت الاتفاقية، رسمت الحدود الجغرافية للدول العربية على نحو يقارب أو حتى يطابق حدود الإيالات والمتصرفيات العثمانية، مع بعض التعديلات الطفيفة. إذاً لا يحق للعرب أن يتهموا الدول الأوروبية الكبرى بأنها هي المسؤولة عن «التجزئة العربية»، ولا يحق للعرب أن يتهموا هذه الدول بأنها تتحمل مسؤولية ما نجم عن هذه التجزئة من خسائر عربية، إذا كان العرب خسروا شيئاً-بالفعل-نتيجة التجزئة.
&
مقابل وجهة النظر هذه، نجد أن الكثيرين من الكتاب والمؤرخين ورجال السياسة والحكام الذين تابعوا أوضاع المنطقة وكتبوا عن مرحلة ولادة سايكس-بيكو يخالفون هذه النظرة، ولا يقبلوا الرأي القائل بأن دور حكومات الدول الأوروبية الأربع التي تقاسمت الإمبراطورية العثمانية اقتصر على مجرد إنتاج ترجمة عربية لا غير للشق العربي من الإمبراطورية. كذلك يرفض ناقدو سايكس-بيكو وجهة النظر التي تقول إنه لو تولى الزعماء العرب أنفسهم حكم المنطقة من دون أية «مساعدة وخدمات استشارية» ومن دون «انتداب أو وصاية أو حماية» دول أوروبا الكبرى، لما تمكنوا من تغيير خريطة المنطقة كثيراً ولما تيسر لهم تطبيق المشروع الإقليمي العربي.
&
فضلاً عما سبق، يرفض ناقدو سايكس-بيكو أيضاً الآراء القائلة بأنه حتى ولو كانت القوى الأوروبية راغبة فعلاً في مساعدة العرب على تأسيس كيان مستقل يشبه الكونفدراليات التي عرفتها أوروبا وأمريكا، لما تيسر لها تحقيق هذا المشروع لأن العرب - في رأي مؤيدي الاتفاقية - «فطروا على الانقسام والتباعد والاحتراب». فالنظرة الغالبة بين المتعاطفين مع المشروع العربي هي أن موقف القوى الدولية وخاصة الأوروبية يلعب دوراً كبيراً، إن لم يكن الدور الأكبر في تحديد مصير هذا المشروع أي إحباطه، وفي إرغام العرب على القبول بنتائج اتفاقية سايكس-بيكو.
&
كمثل على مواقف ناقدي سياسة القوى الأوروبية الكبرى تجاه المشروع العربي، بإمكاننا العودة إلى تقرير «لجنة كينغ كرين الدولية» التي قدمت إلى بلاد المشرق العربي بعد انتهاء الحرب العالمية الأولى للوقوف على آراء ومطالب وتطلعات أبناء الشق المشرقي من المنطقة العربية. علاوة على ذلك كان من المفروض أن تصوغ هذه اللجنة توصيات ترفعها إلى المراجع الدولية المعنية بصنع النظام الدولي في المرحلة الجديدة حتى تسترشد بها في تقرير مصير المنطقة العربية. لقد كان مجرد تشكيل اللجنة مؤشراً على أنه كان باستطاعة الدول الكبرى المنتصرة في الحرب أن تلعب دوراً حاسماً في مصير المشروع العربي. غير أن اللجنة، على الرغم من حسن نوايا أعضائها، لم تكن تملك القدرة على ممارسة ضغط كافٍ على الدول الأوروبية لكي تتخلى عن مشاريعها الإمبريالية وتترك العرب يبنون بيتهم المستقل والمشترك.
&
بالعودة السريعة إلى «منطقة سايكس-بيكو» خلال مرحلة ما بعد الحرب العالمية الأولى والمقارنة بينها وبين المناقشات التي تجري اليوم حول مصير العلاقة بين بريطانيا والاتحاد الأوروبي يمكننا أن نكتشف ما هو مشترك بين معارضي المشروع الأوروبي واليوم والمشروع العربي بالأمس، وأن نعثر على ما هو مشترك بين مؤيدي المشروع العربي في أوائل القرن الفائت، ومؤيدي المشروع الأوروبي اليوم. فضلاً عن هذا وذاك، فإننا نستطيع أن نتلمس مستقبل الدولة الوستفالية/القومية في الإقليمين الأوروبي والعربي في ضوء ما يجري اليوم في أوروبا والمنطقة العربية. هذا ما سوف نعالجه في مقالات لاحقة.













التعليقات