قراؤنا من مستخدمي إنستجرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال حسابنا على إنستجرام
إضغط هنا للإشتراك

سمير عطا الله

ربیع 1969 استقال شارل دیغول من الرئاسة الفرنسیة، وأرسلتني «النھار» إلى باریس لتغطیة المعركة التي ستقرر خَلف أشهر رئيس في تاريخ الجمهورية.

تجري الانتخابات على دورتین، بین كل منھما أسبوعان. بأنفتھ المعروفة، اختار دیغول أن یكون بعیدًا عن فرنسا خلال المعركة؛ لكي لا یقال إنھ تدخل فیھا. وقرر أن یمضي شھًرا كاملاً في آیرلندا، أرض أھل أمھ.

من یقرر السفر إلى آیرلندا أيضًا؟ صحافي لبناني لا یعرف أین تقع الجزیرة، ولا یملك وسائل (المال) التنقل مثل بقیة المراسلین الذین ذھبوا خلف الجنرال الفرنسي إلى منفاه الأخضر، المؤقت، الجمیل. ومع ذلك، فإلى آیرلندا. وصلت دبلن ذات صباح من مایو (أیار) والرذاذ یرشرش بیوتھا القرمیدیة. نزلت في فندق «غریشام» وسط المدینة، وقریبًا من نھر اللیفي الذي یشقھا ویمنحھا ضفتیھ لتدوین الذكریات. وكانت كلفة الإقامة في الیوم، مع وجبة راقیة وعارمة، 14 جنیھًا إلا قلیلاً ، أو أكثر قلیلاً.

ما أجمل ھذه المدینة على «اللیفي». ما أودعھا، آنذاك. وإذا كنتَ من الھائمین بالأدب الآیرلندي وقرأت ییتس وبیكیت وجویس، فأنت في حاجة إلى شھر على الأقل لتفقد، فقط، الأماكن التي مّر بھا دیدالوس بلوم، بطل «عولیس». ھذا ترف لیس لك. أنت ھنا لتغطي دیغول، الذي یطارده نحو 200 صحافي ومصور من أنحاء العالم، والرجل على بعد 300 كلم من العاصمة، في قضاء «كیري»، یعرف أن صحافة الكوكب ترید لمحة أو كلمة. ومَن أنت؟

كنتُ جاھلاً إلى حد بعید، لكنني كنت أعرف شیئا واحدًا معرفة شبھ تامة: من أنا! وفي بلد لا أعرف محطاتھ وقطاراتھ وأقضیتھ وأنھاره، وإلا القلیل من تاریخھ، خطر لي أن أفضل وأقصر السبل، ھي طلب المساعدة من إحدى الصحف. ولم تكن دورھا بعیدة، فكلھا ھنا. بان أمامي مبنى «آیرش برس»، وبدلاً من أن أدخل من الباب الرئیسي، توجھت نحو مكاتب الإعلانات المبوبة في الدور الأرضي. قلت لأول سیدة أمامي إنني أرید مقابلة مسؤول التحریر. سألتني على الفور «ھل أنت قادم من القارة؟» فلم یكن لون شعري أحمر ولا أشقر ولا برتقالیًا، مما یعني (یومھا) أنني غریب، من أوروبا. شرحت للموظفة أنني قادم حتى من وراء القارة،
فازداد تعجبھا من الكائن الفضائي الماثل أمامھا. وأجرت اتصالات عاجلة. ثم قالت: «المدیر العام ینتظرك في الطابق الثالث».

كان المدیر العام رجلاً قارب الخمسین أو تجاوزھا. رّحب بي بلطف وأدب، وسألني ما الذي یحملني إلى دبلن؟ قلت لھ إنني قادم من أجل دیغول، وأرید مساعدتھ بأي طریقة ممكنة. أبدى إعجابھ بأن توفد صحیفة من الشرق الأوسط مراسلاً إلى آیرلندا. قلت لھ: إننا في لبنان نولي اھتمامًا تلقائيا بفرنسا، خصوصا في ھذا التغییر الجوھري الذي لحق بھا. فإن نھایة دیغول بصفتھ زعیمًا سیاسیًا، ستنعكس بلا شك على العالم أجمع، وخصوصا على منطقتنا. لكن الأھم طبًعا ھو أن العالم یودع مرحلة تاریخیة كبرى من مراحل العمالقة.
إلى اللقاء..