قراؤنا من مستخدمي إنستجرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال حسابنا على إنستجرام
إضغط هنا للإشتراك

جلال عارف

تظل الوحدة الوطنية في مصر هي قدس الأقداس، وتظل هي الحائط الصلب أمام كل الضربات التي يوجهها أعداء مصر، وكل المؤامرات التي تستهدفها.

في الأيام الأخيرة، ومع الضربات الساحقة التي وجهتها مصر إلى الجماعات الإرهابية.. سواء في سيناء أو في باقي أنحاء الوادي. جاءت عملية التفجير الانتحاري في الكنيسة البطرسية الملاصقة لمبنى الكاتدرائية ومقر البابا تواضروس رأس الكنيسة القبطية، لتكون مؤشراً على أمرين مهمين: الأول هو محاولة زرع الفتنة الطائفية وضرب الوحدة الوطنية التي استعصت كثيراً على من استهدفوها.

والثاني هو اللجوء لأسلوب جديد في العمليات الإرهابية بالنسبة لمصر وهو التفجيرات الانتحارية الفردية، مع استهداف المدنيين ودور العبادة، بعد أن كانت العمليات تتم قبل ذلك من خلال تفجير عن بعد، أو من خلال سيارات مفخخة، وبعد أن كانت تستهدف - في الأساس - رجال القوات المسلحة والشرطة.. قبل أن تمتد لبعض رجال القضاء المرتبطين بمحاكمات الإرهابيين من الإخوان وغيرهم.

وقبل أيام من احتفال أقباط مصر بعيد الميلاد المجيد، شهدت مدينة الإسكندرية حادثاً بشعاً، حيث لجأ أحد أنصار الجماعات الإرهابية إلى ذبح مواطن مسيحي، متعللاً بأنه كافر يسمح ببيع الخمور.

وكان صادماً للمواطنين في مصر أن يحدث ذلك في الإسكندرية بالذات، والتي كانت على مر العصور رمزاً للانفتاح على العالم، وللتلاقي بين الثقافات والحضارات المختلفة، والتي كانت نموذجاً للمدينة المتوسطية «نسبة إلى البحر المتوسط» بكل قبوله للآخر وحبه للحياة.. فإذا بها تصبح أحد مراكز الجماعات المتطرفة باسم الدين التي تقاوم الآن عودة الدولة للسيطرة على منابر المساجد التي احتلتها.

وتستمر في بث فكرها المتخلف الداعي للكراهية وتكفير الآخرين سواء من باقي المسلمين الذين لا ينتمون لهم ولا يعترفون بتطرفهم، أو باقي المواطنين غير المسلمين الذين رأينا دعوات الكراهية ضدهم تتوالى من جماعات السلفيين الذين يجدون مكاناً في البرلمان تحت لافتة «حزب النور».

ومع ذلك تستمر دعواتهم ويصدرون «الفتاوى» المحرضة على الكراهية والعنف لتحول مدينة منفتحة على الحضارة الإنسانية مثل الإسكندرية إلى مسرح لأحداث مثل تفجير كنيسة القديسين قبيل ثورة يناير مباشرة، أو ذبح التاجر المسيحي قبيل أيام من احتفال أقباط مصر بعيد ميلاد جديد تطيب فيه الخواطر.

وتتأكد الوحدة الوطنية المصرية فيه، بعد التفجير الانتحاري في الكنيسة البطرسية الذي أدركت مصر كلها «بمسلميها قبل أقباطها» أنه موجه لمصر كلها، وأنه يستهدف وحدتها، وأنه يلعب اللعبة القديمة والفاشلة لشق الصف الوطني المصري.

وسط هذا كله يفاجئك أعضاء الكونغرس الأميركي باقتراح لقانون حول ترميم الكنائس المصرية التي تم إحراقها من جانب جماعة الإخوان وأنصارها بعد سقوط حكمهم الفاشي! في الأحوال العادية يقال لهؤلاء: صح النوم! فالكنائس قد ترمم معظمها.

وآخر دفعة منها سوف تنتهي الأعمال فيها في هذا الشهر على يد القوات المسلحة المصرية، ولا شك أن السادة أعضاء الكونغرس يعلمون ذلك، ويعلمون أن كل المؤسسات في بلادهم «بما فيها الكونغرس» لم تفتح فمها حين تم إحراق الكنائس من جانب الإخوان وأنصارهم.

لأنهم كانوا بين هؤلاء الأنصار الذين يريدون - بأي طريقة - عودة حكم الإخوان الفاشي ليعيد الحياة لمخطط جعل مصر مفتاح تغيير خريطة الموطن لصالح أعداء الأمة، على أن يتم ذلك وسط الصياح بأنهم «على القدس راجعين.. شهداء بالملايين» بينما القدس تضيع، والدول العربية يجري تقسيمها.. أو يتم زرع بذور الفتنة الطائفية والمذهبية لتستكمل المهمة الملعونة.

في الأحوال العادية يمكن الاكتفاء بأن نقول للسادة أعضاء الكونغرس الذين استفاقوا بعد ثلاث سنوات ليثيروا قضية حرق الكنائس: أما في ظل ما يحدث الآن فإن الأمر يختلف، فنحن - من ناحية - أمام مواجهة إرهابية تريد أن تفتح أي ثغرة في جدران الوحدة الوطنية في مصر، ونحن - من ناحية ثانية - نواجه أوضاعاً تسودها الفوضى، وتريد نقل إخوان الإرهاب ودواعشهم - بعد أن أدوا مهمتهم في سوريا والعراق - لكي يكرروا المشهد في باقي أنحاء الوطن العربي!

ونحن - من ناحية ثالثة - أمام انفجار مرتقب إذا هب الرئيس الأميركي القادم ترامب لتنفيذ ما وعد به من نقل السفارة الأميركية للقدس، وهو ما يبدو الآن أكثر من «وعد» بعد أن رأينا أن أول اقتراح قدمه الزعماء الجمهوريون في مجلس الشيوخ الأميركي الجديد هو المضي في هذا الطريق.

ولا شك أن من يتحكمون في السياسة الأميركية، يدركون جيداً عواقب هذا القرار، ويعرفون جيداً أن أقباط مصر قد أعلنوا موقفهم الحازم من عروبة القدس، ومن أنهم لن يدخلوها إلا مع إخوانهم المسلمين، كما أمر البابا شنودة، رحمه الله.

وكما أعاد التأكيد البابا تواضروس صاحب الحس الوطني والعربي، الذي يدرك جيداً أن استهداف الوحدة الوطنية في مصر هو البداية لضم مصر إلى معسكر الفتنة الطائفية والمذهبية.. لتمرير كل مخططات أعداء مصر والعروبة.

حين أحرق الإخوان ما يقرب من ثمانين كنيسة «وسط صمت أميركي وغربي كامل» كان تعليق البابا تواضروس «أن مصر بلا كنائس أفضل بكثير من كنائس بلا مصر» وحين رد البابا تواضروس على اقتراح أعضاء الكونغرس بشأن ترميم الكنائس المصرية، كان الرد قطعاً برفض التدخل في شؤون مصر.

علينا أن ندرك جميعاً أن معركتنا الأساسية لن تكون مع فصائل الإرهاب الإخواني والداعشي والفارسي.. لكنها ستكون مع الفكر الضال الذي ينبغي أن نواجهه بالفكر والثقافة وليس بالحلول الأمنية وحدها.

القضاء على فصائل الإرهاب هو المهمة العاجلة لكن القضاء على الفكر الضال هو المعركة الأساسية.