: آخر تحديث

المعضلة اللغوية في تونس

حسونة المصباحي

انتشرت بين التونسيين لغة هجينة لا هي بالعربية الفصيحة، ولا بالدارجة، ولا بالفرنسية، بل هي مزيج من اللغات الثلاث. وكل هذا يتم باسم الديمقراطية وحرية التعبير!

في النصف الأول من القرن العشرين، شرعت فرنسا في تطبيق مشروعها الاستعماري المتمثل في “فرنسة” النّخبة التونسيّة لتكون لها خاضعة ومطيعة وخادمة لمصالحها التي تهدف إلى تذويب الهوية، وتدميرها. وقد اعتمدت في ذلك على مستشرقين ابتكروا نظرية لغوية تقول إن اللغة العربية أصبحت لغة ميتة تماما مثلما كان حال اللغات الشرقية القديمة، واللغة اللاتينية. لذلك يتوجّب على النخبة التونسية إنْ هي أرادت حقا أن تكون في قلب العصر الحديث وليس خارجهأن تكتب وتتكلم بلغة موليير. ورغم المجهودات الهائلة التي بذلتها، لم تتمكن فرنسا الاستعمارية من إنجاح مشروعها المذكور إذ لم يستجب لها سوى مثقفين مزيفين.

أما المثقفون الذين تبيّنوا مُبكرا المخاطر الجسيمة التي يمثلها مشروع الفرنسة فقد بادروا بالتصدي له بطرق مختلفة ومتنوعة. ولكي يثبت أن اللغة العربية لا تزال نابضة بالحياة، وقادرة بالتالي على أن تكون لغة عصرية وحديثة، كتب محمود المسعدي في الثلاثينات من القرن الماضي أثريه المهمين “السد”، و”حدث أبوهريرة قال…”. ومن خلال هذين الأثرين أعاد المسعدي الذي كان عارفا بالآثار الأدبية العظيمة التي تركها العرب وأيضا بالآداب الأوروبية القديمة والحديثة، إلى اللغة العربية إشراقتها مثلما كان حالها في عصر الجاحظ والتوحيدي وابن المقفع والمعري وغيرهم. كما مكنها من توطين وغرس مفاهيم فلسفية حديثة جاء بها الفلاسفة الوجوديون في ألمانيا وفرنسا من أمثال شوببنهاور، ونيتشه، وسارتر، وكامو.

ومثل ساندور بيتوفي في المجر، وأوغستينو نيتو في أنغولا، وماتزيني في إيطاليا، وخوزيه مارتي في كوبا، اتّخذ المسعدي من إحياء اللغة العربيّة وسيلة لمواجهة المستعمر الذي كان يعمل على طمسها للقضاء على الهويّة التونسيّة، ومسخها.

في نفس هذه الفترة، فترة الثلاثينات، برز للوجود شعراء وأدباء ومثقفون لعبوا دورا أساسيا في تحديث الثقافة التونسيّة، باعثين الحياة في اللغة العربية التي ظلت على مدى قرون مديدة، تعاني من التحنط والتيبّس، لتصبح قادرة على أن تعكس الواقع في تحولاته، وأن تسمي الأشياء بأسمائها. وهذا ما فعله الشابي في مجال الشعر والنقد الأدبي، والطاهر الحداد في مجال الفكر الاجتماعي، وعلي الدوعاجي، ومحمد العريبي في مجال القصة.

بعد الاستقلال، وتحديدا في الستينات من القرن الماضي، سعى دعاة الفرنسة إلى فرض وجودهم من جديد إلاّ أن التيارات الأدبية المتأثرة بالحركات الطلائعية في أوروبا، وفي بلدان المشرق العربي تمكنت من إخماد أصواتهم.

وخلال السنوات السبع الماضية، ومع انتشار الفوضى، وتكاثر الملل والنحل السياسية والأيديولوجية والدينية، بدأت اللغة العربية في تونس تتعرض مجددا إلى المسخ والتشويه. والذين يقومون بذلك هم أبناء البلد من الإعلاميين والسياسيين بالخصوص. ويتمثل المسخ والتشويه في الإكثار من استعمال كلمات فرنسية في الخطاب السياسي والإعلامي، وفي مجال الإعلانات أيضا. وبسبب ذلك، انتشرت بين التونسيين لغة هجينة لا هي بالعربية الفصيحة، ولا بالدارجة، ولا بالفرنسية، بل هي مزيج من اللغات الثلاث. وكل هذا يتم باسم الديمقراطية وحرية التعبير!

والغريب في الأمر أن المؤسسات التربوية، ونقابات التعليم تبدو غافلة عن هذه المعضلة اللغوية، وتجاهها لا تظهر أدنى اهتمام. بل قد تساهم في تغذيتها بطرق مباشرة أو غير مباشرة لتصبح واقعا لا يمكن الخلاص منه. وإذا ما تواصل الأمر على هذه الصورة، فإن الأجيال القادمة ستكون ضحية هذه اللغة الهجينة التي لا تصلح لا للأدب ولا للشعر ولا للفكر، بل فقط للثرثرة الفارغة والمملة. وعندما يُجرّد شعبٌ من لغته ومن ثقافته ومن أصالته، فإن هذا لا يعني سوى الحكم عليه بالإعدام كما قال ميلان كونديرا.


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

في جريدة الجرائد