قراؤنا من مستخدمي إنستجرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال حسابنا على إنستجرام
إضغط هنا للإشتراك

&ميسون الدخيل& &&

قبل سنوات طويلة، وفي بداية عام دراسي، دخلت إحدى المعلمات إلى فصل التمهيدي، فرحّبت كالعادة بالتلاميذ، ثم اتجهت إلى السبورة، ورسمت عليها وجها مبتسما، وكتبت تحته عبارة «أنا أحبّ»، ثم استدارت، وسألت: أريد من كل واحد منكم أن يقف، ويتحدث إلينا عما يحبه، وأشارت إلى تلميذ في أول الصف ليبدأ. هنا أخذ كل منهم يقف، ويُعرّف بما يحبه، ثم يتحدث عنه، وعند انتهاء الدور كانت تشير إلى الآتي، وهكذا.. إلى أن جاء دور فتاة غريبة من بلد آخر، سُجِّلت حديثا في المدرسة، لم تكن قد تعرّفت على أحد بعد، وكانت دائما تجلس وحيدة خلال فترة الراحة، لا تتحدث أو تتواصل مع أحد، وقفت، ولكنها لم تنبِس ببنت شَفة، وبصوت هادئ طلبت منها المعلمة أن تتحدث، ولكنها بقيت صامتة تنظر أمامها، حتى إنها لم ترفع رأسها لترى تأثير صمتها على أحد ممنّ حولها، كانت وكأنها في عالم آخر، اقتربت المعلمة منها، وأعادت عليها الطلب، واستمر الصمت واستمر الطلب، فما كان من المعلمة إلا أنها أبقت التلميذة واقفة، وقالت: «ستبقين هكذا حتى يتحرك فمك، وتتحدثين إلينا»، وأكملت مع البقية وكأنه ليس هناك روح تعاني.. تقف أمامها بانكسار!&


هذا الموقف يجعلني أفكر مليًّا بماهية التواصل: التعاطف، والعلاقات، والثقة، والتفاهم المتبادل، فالتلميذة تذكرني بأن التواصل ليس دائما سهلا، وهناك أسباب كثيرة لعدم الرغبة أو القدرة على التواصل، أما المعلمة فإنها تذكرني بأنه رغم أنها كانت تريد تدريب التلاميذ على التواصل، إلا أن ما فعلته مع التلميذة هو إكراه، فلا يمكن أن تجعل شخصا ما يتواصل عندما لا يريد ذلك، وهذا سيؤدي بالتأكيد إلى إخفاق، وهذا ما حدث معها في ذلك اليوم!&


كنتُ تلك التلميذة الغريبة التي وجدت نفسها في مجتمع جديد عليها، وفي عُمر كنت فيه بأمسّ الحاجة إلى التواصل، ولكنني لم أكن أمتلك المعرفة الكافية بذاتي، أو بمن حولي، ولم تكن لديّ الجرأة على أن أتخذ تلك الخطوة! لا أريد أن أتحدث اليوم عن السلوك التربوي الخاطئ الذي قامت به المعلمة، ما أريده اليوم هو النظر إلى الحدث من منظور آخر، لأنه شكّل بالنسبة إليّ درسا تعلّمته فيما بعد، بعد أن كبرت ونضجت فكرا وخبرة، حيث أصبح لتلك التجربة معنى جديد في مخزون ذاكرتي، أدركت أن التواصل رغم أهميته، هو بالنسبة للبعض -وكل حسب حالته وظروفه- صعب للغاية، وفي الوقت ذاته هو موهبة، لم توجد فقط للتعارف، لأن من يمتلكها يسترشد بقيم مثل: حب الاستطلاع، واحترام الاختلاف لدى الآخر، ولا أعني تقديرا للتنوع فقط، بل أعني أيضا الاهتمام بالإنصاف، وتحمل المسؤولية تجاه من هم تحت قيادته أو داخل دائرة مسؤولياته، فمهارة التواصل تُمكّن مَن يمتلكها ليس فقط من توصيل الرسالة، بل تمكنّه أيضا من التعاطف مع المُستقبِل، وأهميتها بالنسبة إلى القادة أنها تجعل لديهم القابلية على التكيّف مع المواقف المختلفة بمرونة، بما أنهم غالبا ما يواجهون تحديات وتنافسا، يجب أن يحرصوا على أن يكون بنّاء، حتى يتمكنوا من المشاركة مع مجموعاتهم من التوصل إلى حلول، أو مبادرات إبداعية وخلاقة تضيف إلى فريقهم ومجتمعهم. اليوم نجد كثيرا من القادة يفشلون! لماذا؟ لافتقارهم أو لضعفهم في كثير من المهارات، منها التواصل! وأن نكون قادة يعني أن نكون قادرين على التواصل، ليس هذا فقط، بل أن نكون مسؤولين أمام من نقود عن فهم احتياجاتهم، أي منهم شخصيا، وليس بناءً على معلومات بعيدة عن المصدر! ولكي نفهم يجب أن نتواصل، والتواصل لا يكون بالتعالي أو الفرض أو الإكراه، وبهذا نستطيع أن نمثل إداراتنا ومؤسساتنا أمام المستفيدين والمجتمع الحاضن بصدق وشفافية، وهنا تصبح مسؤوليتنا ليست فقط في تحديد طبيعة وقيم المؤسسة، أو تعريف الرسالة والأهداف، بل أيضا أن نعمل على أن تتقيد هذه المؤسسات بها، وهذا بدوره يعني أن ندرك أننا أيضا تحت المساءلة مع إداراتنا ومؤسساتنا، فهكذا يكون الإنصاف، بأن نكون الضمير الذي يتصرف بأخلاقيات وقيم عالية.&


في النهاية يجب أن أنوّه إلى أهمية بناء ثقافة الإصغاء، وحتى نصغي يجب أن يكون سبيل التواصل مفتوحا ومقبولا من الطرفين، نعم هناك من يعرف كيف يوصل صوته بتجميع المؤيدين، أو ترتيب المطالب وعرضها بشكل منظم، أو حتى عن طريق رفع مستوى الضغط والهجوم الفردي والجماعي، أنا لا أقول هنا إنه يجب ألا نصغي إليهم، بل يجب أن نصغي حتى قبل أن يرتفع مستوى المواجهة، وهذا ليس تفضلا، بل هو واجب وحق، سواء كانوا على صواب أو لم يكونوا، لأنهم في الأصل لم يتحركوا من فراغ، فنحن لن نعرف وجعهم أو محرّكهم الخفي -إنْ وُجِد- ومقاصده، إذا ركّزنا على الشكوى وطريقة الاعتراض، ولم نركز على أساس المشكلة، وبهذا نستطيع أن نبحث معا عن حل مُرضٍ، ونسقط ورقة التحكم من يد المحرك الخفي، مرة أخرى إنْ وُجِد، ولكن أيضا يجب ألا ننسى أصحاب الأصوات الصامتة، التي لن نستطيع خدمتها وتلبية احتياجاتها ما لم نتواصل معها، ونساعدها على كسر الحواجز لكي تصل إلينا ونصل إليها، وهؤلاء لهم حقوق علينا أيضا، وهم ليسوا قلّة، وإن لم نصل إليهم ونحركهم ليخرجوا ما لديهم فنحن إذًا فاشلون!&

&