قرائنا من مستخدمي تلغرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال تطبيق تلغرام
إضغط هنا للإشتراك

 بشير عبدالفتاح 

شهد أداء التنظيمات الإرهابية المصرية ونشاطها طفرة لافتة خلال العقدين الماضيين، على المستويين الكمي والنوعي، مع جنوح ضباط متقاعدين أو مفصولين من جيوش نظامية وأجهزة أمنية واستخباراتية في دول كثيرة للانضمام إلى صفوفها، استناداً إلى ذرائع ودوافع شتى. ولم تقتصر استراتيجيا التنظيمات الإرهابية في استقطاب العناصر الأمنية والعسكرية والاستخباراتية المتطرفة والمارقة على البلدان التي نجحت في اختراقها في منطقة الشرق الأوسط نتيجة الفوضى التي اجتاحت هذه البلدان فحسب، إنما امتدت لتطال دولاً ديموقراطية يفترض فيها الاستقرار السياسي والاقتصادي والأمني كالولايات المتحدة وبلدان أوروبا الغربية والشمالية. ففي الولايات المتحدة، أكدت السلطات الأمنية أن مطلق النار على كنيسة في ولاية تكساس تسبب في مقتل 26 شخصاً وإصابة 20 على الأقل في تشرين الثاني (نوفمبر) 2017، كان جندياً سابقاً في القوات الجوية الأميركية بين الأعوام 2010 و2014، لكنه فصل وحكم عليه بالسجن لمدة 12 شهراً بسبب ميوله المتطرفة وسلوكياته العنيفة.


وفي فرنسا، كشف وزير الداخلية جيرارد كولومب عن شكوكه في تبني بضع عشرات من عناصر قوات الأمن الفرنسية آراء متطرفة، ما يزيد من احتمال تصاعد اختراق التنظيمات الإرهابية عامة وتنظيم "داعش" تحديداً للجيش والأجهزة الأمنية، كما اعترف وزير الدفاع جان إيف لودريان، في كانون الثاني (يناير) 2015، بانخراط عشرة عسكريين فرنسيين سابقين في صفوف التنظيمات الجهادية في العراق وسورية، بحثاً عن مغامرة جهادية نادرة، فيما أقرَّ عسكري فرنسي سابق، تم القبض عليه بداية أيار (مايو) الماضي، قرب قاعدة جوية فرنسية، بأنه كان يعتزم تنفيذ اعتداء باسم "داعش"، بعدما عثرت السلطات الفرنسية معه على مبايعة كتابية للتنظيم. وفي العام الماضي، أكدت اللجنة البرلمانية المكلفة مراقبة عمل الأجهزة الأمنية والاستخباراتية في بلجيكا، أن الفكر المتطرف نجح في التسلل إلى الجيش البلجيكي، لافتة إلى وجود 50 ملفاً تخص عسكريين متهمين بالتشدد، بينهم أربعة جنود تورَّطوا بالفعل في أنشطة إرهابية. وناشدت اللجنة أجهزة الاستخبارات العسكرية توخي السبل الكفيلة بمنع تغلغل العناصر المتطرفة بين صفوف الجيش وموظفي وزارة الدفاع.

كثيرة هي الآليات التي تمكّنت من خلالها التنظيمات الإرهابية اختراق الجيوش النظامية والأجهزة الأمنية والاستخباراتية، لعل أبرزها: استغلال بعض الثغرات الاحترافية العسكرية المؤسسية لتلك الجيوش والأجهزة، والتي أتاحت لقوى التطرف استقطاب بعض رجالها، أو الزج ببعض العناصر الإرهابية للانضمام إلى صفوفها بغرض تلقي تدريبات احترافية عالية المستوى، مستغلة مرونة قواعد التجنيد ومعايير الالتحاق بتلك الجيوش والأجهزة. وإلى جانب حرفيتها في اكتشاف ذوي الميول المتطرفة داخل الجيوش والأجهزة الأمنية واستمالتهم، تستغل التنظيمات الإرهابية تدهور الحالة النفسية والاجتماعية والاقتصادية لبعض المتقاعدين والمفصولين من تلك الجيوش والأجهزة، فضلاً عن توقهم لاستعادة الإحساس بالأهمية، كما تسعى لاستثمار شعورهم بالرفض النفسي والارتباك الفكري وخوفهم المرضى من المستقبل، إضافة إلى ضعف الانتماء والرغبة الملحة في الانتقام السياسي من دول أو حكومات أو مسؤولين، أسوة بما جرى في سورية والعراق وليبيا واليمن، إذ انضم عدد من العسكريين النظاميين إلى قوات "داعش" أو "القاعدة"، طلباً للحماية من بطش الثوار المسحلين، فيما انضمت عناصر من جيوش بعض الدول الإفريقية إلى تنظيمات مشابهة طمعاً في المال والعطايا، التي برعت الكتائب الإلكترونية لتلك التنظيمات في الترويج لها عبر مواقعها الإعلامية لاستدراج عسكريين ومدنيين من الجنسين.

بدورها، شكلت الهزات والصدمات الكبرى التي تتعرض لها الدول والجيوش والأجهزة الأمنية، فرصة ذهبية أمام التنظيمات الإرهابية لاصطياد العسكريين ورجال الأمن السابقين في براثنها. فمن جانبها، استغلت الحركات الجهادية المصرية رفض بعض ضباط الجيش والشرطة تبني الرئيس السادات خيار السلام مع إسرائيل بداية العام 1977، لتجنيد عدد منهم واستقطابهم، وتجلت التداعيات السلبية لذلك في تورط ضابط شرطة مفصول يدعى طارق عبدالعليم، في عملية اغتيال وزير الأوقاف الأسبق محمد حسين الذهبي، جراء تأليفه كتاباً يحذر فيه من عنف الجماعات الجهادية ويفند أفكارها المعوجة، مروراً بحادث اغتيال الرئيس السادات في عام 1981 من قبل عدد من ضباط الجيش المنخرطين في صفوف "الجماعة الإسلامية"، وصولاً إلى تداعيات انتفاضة العام 2011، التي زجَّت بجيل جديد من العسكريين ورجال الأمن المصريين السابقين في صفوف التنظيمات الإرهابية، أبرزهم: عماد عبدالحميد وهشام العشماوي اللذان تخرجا من الكلية الحربية في مصر في عام 1999 وخدما في "قوات الصاعقة"، حتى تمت إقالة الأول من الخدمة في عام 2007 والآخر في 2006 بعد ظهور علامات التطرف على كليهما.

وعقب انتفاضة العام 2011، انضم عماد الدين عبدالحميد إلى جماعة "أنصار الإسلام"، التابعة لـ"القاعدة"، والذي استهدف كميناً للشرطة في الصحراء الغربية في تشرين الأول (أكتوبر) 2017، قبل أن يقتل على يد الجيش. أما هشام العشماوي، الذي كان يشهد له رؤساؤه بالكفاءة والالتزام، لدرجة أن حصل على بعثة تدريبية في الولايات المتحدة، فأسس بعد طرده من الجيش تنظيم "المرابطين" الذي نفذ عدداً من العمليات الإرهابية قبل أن تعلن السلطات الليبية توقيفه، فيما اختار وليد بدر، الضابط المفصول من القوات المسلحة، أن يكون انتحارياً في محاولة اغتيال وزير الداخلية السابق محمد إبراهيم في عام 2013. وفي شباط (فبراير) الماضي، كشف النائب العام المصري عن تورط ستة ضباط شرطة سابقين في محاولة فاشلة لاغتيال الرئيس السيسي، بعدما شكلوا خلية تابعة لتنظيم "ولاية سيناء" المبايع لتنظيم "داعش"، وأمدوه بمعلومات عن خط سير موكب السيسي بغية استهدافه بسيارة مفخخة.

كذلك، أسهمت الأحداث التي ألمت بالعراق وسورية بين الأعوام 2003 و2011 في مد التنظيمات الإرهابية المنتشرة في البلدين بعدد هائل من الكوادر العسكرية والأمنية النادرة. إذ أفضى القرار الأميركي الخاطئ بحل الجيش العراقي في أيار (مايو) 2003 وتسريح ما يربو على 400 ألف جندي وضابط، إلى تفخيخ العراق والمنطقة برمتها، بعدما تحول أولئك المقاتلون مع مرور السنوات، وتأزم الأوضاع في بغداد، إلى ما يشبه القوة الضاربة لتنظيمات إرهابية على شاكلة "داعش" و"القاعدة"، التي تبوأ كبار ضباط الجيش العراقي السابقين، الراغبين في الانتقام من واشنطن وحلفائها، مناصب قيادية عسكرية فيها، ما زاد من قوتها وضاعف من خطرها، إلى حد جعل إعادة عدد من العسكريين العراقيين إلى الخدمة في الجيش النظامي خلال عهد حكومة نوري المالكي، ضرورياً لتسريع حسم المعارك ضد التنظيمات الإرهابية لمصلحة القوات العراقية، بعدما تمت الاستفادة من إلمام أولئك العسكريين العائدين الدقيق بطرق تفكير تلك التنظيمات واستراتيجيات تخطيطها وتحركها وتكتيكات أدائها.

وأفضى انضمام عسكريين وأمنيين سابقين إلى صفوف التنظيمات الإرهابية، إلى تحقيق نقلة هائلة في تسليح تلك التنظيمات وتخطيطها وأدائها القتالي ونشاطها العملياتي، بل وحتى أهدافها، ما فاقم من مستوى خطورتها وتهديدها، على نحو ما بدا جلياً في العراق وسورية، بحيث تسنى لـ"داعش" الإفادة من أولئك المقاتلين المحترفين في استغلال الثغرات الاستراتيجية لدى الأجهزة الأمنية والجيوش النظامية، توطئة للسيطرة على أراضي شاسعة حافلة بالبؤر الحيوية الغنية بمصادر النفط والغاز والجسور والسدود الاستراتيجية، ثم الانتقال لاحقاً من العراق وسورية إلى ليبيا وسيناء والساحل الغربي الأفريقي، مستخدمين الأساليب والتكتيكات القتالية التي أتقنوها أثناء عملهم في الجيوش، كعمليات حفر الأنفاق وبناء الدفاعات وإعاقة تقدم الآليات والقوات، علاوة على مهام الاستطلاع والمراقبة ونصب الكمائن للجيوش وأجهزة الأمن، حتى برز جلياً في مصر اتساع فارق القوة والخطورة بين التنظيمات الإرهابية القابعة في الصحراء الغربية، ونظيرتها المستترة في سيناء، إذ تتعاظم الخبرات والقدرات العسكرية والكفاءة القتالية للأولى بفضل تنامي أعداد ضباط الجيش والشرطة السابقين في قيادتها وبين صفوفها، ما ساعدها على استيعاب الأسلحة الحديثة التي تم استقدامها من ليبيا، فضلاً عن استخدام أساليب وتكتيكات احترافية متطورة، إضافة إلى إجادة استغلال الطبيعة الجغرافية الفريدة للمكان، لأغراض التنقل والتخفي في منطقة التقاء الحدود المصرية - الليبية - السودانية.

إن تطوراً نوعياً بهذا المستوى المقلق في تفكير وأداء التنظيمات الإرهابية وتسليحها بعد انضمام ضباط الجيش والشرطة والاستخبارات السابقين إلى صفوفها، والذي سوَّل لها تحدي النظام الدولي والدول الوطنية عبر التجرؤ على إقامة "دولة إسلامية" مزعومة في العراق والشام، أو دويلات وولايات وهمية في سيناء والصومال، جدير بأن "يحفز" الجماعة الدولية لتبني استراتيجيا وقائية متعددة الأبعاد، تبدأ من تفعيل وتعميق التعاون الفني والاستخباراتي بينها، مع إحاطة أفراد الجيوش النظامية وأجهزة الأمن العاملين بأعتى سبل التحصين الفكري والاجتماعي والمؤسسي عبر مراجعة آليات التجنيد وبرامج التدريب والتأهيل الفكري والنفسي داخل مؤسساتها العسكرية وأجهزتها الأمنية والاستخباراتية، بالتوازي مع ابتكار برامج ومشاريع ناجزة لاستيعاب طاقات المتقاعدين والمفصولين منهم وتطلعاتهم، وإعادة تأهيلهم، من خلال إيجاد صيغ ملائمة لتجديد علاقاتهم بأماكن عملهم الأصلية، أو الإفادة من خبراتهم وإمكاناتهم في مجالات الخدمة المدنية، بما يحول دون انزلاق أي منهم جميعاً في براثن التنظيمات الإرهابية.