قرائنا من مستخدمي تلغرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال تطبيق تلغرام
إضغط هنا للإشتراك

عبدالله المدني

في الخامس من مايو الماضي حلت ذكرى وفاة من يُعرف في الأدبيات البحرينية الخاصة بالصحافة بـ«رائد الصحافة البحرينية وأبيها الروحي» ألا وهو الشاعر والأديب وتاجر اللؤلؤ عبدالله الزايد الذي توفي في مثل هذا اليوم من عام 1945 وهو لم يتجاوز الواحدة والخمسين من عمره. ومما لا شك فيه أن الرجل يستحق هذا اللقب عن جدارة، ليس فقط لأنه كان أول من أصدر صحيفة في البحرين تحت اسم جريدة «البحرين»، متأثراً في ذلك بما شاهده وعاصره في بلاد الهند حيث عاش ردحاً من الزمن، وليس لأنه جند صحيفته للإصلاح بصوت مسموع وفتح صفحاتها لكل المبدعين وحملة الأقلام البحرينيين والخليجيين فحسب، وإنما أيضا لأنه جلب لصحيفته مطبعة من الهند وألمانيا في عام 1933 لتصبح أول مطبعة في البحرين قادرة على طباعة الصحف، وهو ما كان محالاً أن تفعله «مطبعة البحرين» الحجرية القديمة التي تأسست عام 1913 على يد الشريكين «ميرزا علي جواهري» و«أحمد عبدالواحد فلامرزي»، علماً بأنه قبل جلب المطبعة الحجرية كان أهل الخليج يطبعون كتبهم ومطبوعاتهم في الهند والعراق والقاهرة.

صحيفة البحرين الأولى هذه صدرت في الثامن من مارس 1939 أي قبل اندلاع الحرب العالمية الثانية بنحو ستة أشهر عن «مطبعة البحرين ومكتبتها» لصاحبها الزايد، وكان موقعها في شارع الخليفة (جنوبي مسجد يتيم). وكانت ترويستها هي «جريدة يومية سياسية أدبية علمية جامعة تصدر مؤقتاً كل أسبوع»، غير أنها بقيت أسبوعية حتى تاريخ احتجابها في 15 يونيو 1944، بسبب ظروف الحرب العالمية الثانية والصعوبات التي حالت دون استيراد الورق إلى درجة أن الصحيفة طبعت أعدادها الأخيرة على ورق أخضر وبنفسجي خلافاً للعادة. هذا ناهيك عن سبب آخر هو تكالب المرض على الزايد.

لكن المؤرخ البحريني الأستاذ مبارك الخاطر ذكر في الصفحات من 106 إلى 108 من كتابه «نابغة البحرين.. عبدالله الزايد، حياته وأعماله 1894 - 1945» (الطبعة الثانية/ البحرين/1988) أن توقف الجريدة عن الصدور يرجع لسبب آخر هو أن الزايد كتب مقالاً في عام 1944تضمن دعوة إلى توحيد إمارات الخليج العربي في كيان واحد. وكانت هذه الدعوة بطبيعة الحال مضادة لتوجهات بريطانيا في المنطقة، مما حدا بالسلطات البريطانية إلى التدخل وإيقاف الصحيفة من بعد تحذيرات ومهل. وكان الزايد قد نشر مقالاً في جريدته سنة 1940 ينتقد الحالة العلاجية بمستشفى الحكومة، فحاكمته السلطات المسؤولة وصدر حكم بتغريمه مبلغ 500 روبية.

النسخة بـ «آنة واحدة»

كانت أعداد صحيفة «البحرين» مكونة من أربع صفحات بالقياس الكبير، وكانت النسخة الواحدة منها تباع بـ «آنة واحدة». وبطبيعة الحال كان هذا السعر الزهيد لا يغطي مصاريف إصدارها، لكنها تمكنت من إيجاد مصادر دخل أخرى من خلال نشر الإعلانات الحكومية الخاصة بالقضاء والبلدية ودائرة التسجيل العقاري، ناهيك عن إعلانات برامج الإذاعة وإعلانات الترويج للبضائع وإعلانات المعتمدية البريطانية.

وخلال السنوات الست التي واصلت فيها الصحيفة الظهور، غطت كل أحداث وشؤون وشجون البحرين والخليج العربي وبعض البلاد العربية (مثل الحوادث في الشارقة ودبي بين عامي 1939 و1940 وأوضاع الكويت والأحساء ومسقط وواقعة الغارة الجوية الإيطالية الفاشلة على مصافي النفط السعودية والبحرينية سنة 1940)، شاملة تقارير عن المشاريع الإنسانية والاجتماعية ونداءات حول التبرع للجان الخيرية المشكلة لمساعدة فقراء البلاد أو إغاثة أيتام فلسطين، وعروضاً لنتائج المسابقات الثقافية والشعرية التي كانت تنظمها إذاعة البحرين اللاسلكية وإذاعة لندن العربية، وسرديات للقصص المترجمة من الإنجليزية والفرنسية والفارسية، وتحقيقات عن المعارك الأدبية والخصومات الشعرية بين رموز تلك المرحلة على المستويين الخليجي والعربي.

كان الزايد هو صاحب الجريدة ورئيس تحريرها ومحررها الوحيد. كما أن الإقبال عليها والمساهمة فيها كان كبيراً بفضل انتشار التعليم في البلاد، ثم بسبب وصول أعدادها إلى كافة إمارات الخليج العربي إضافة إلى بمبي، بدليل تلقيها رسائل إشادة من شخصيات معروفة مثل الأستاذ محمد علي النحاس مدير مدرسة الهفوف الحكومية بالأحساء، والشاعر البحريني جاسم محمد الشيراوي وشاعر الشباب عبدالرحمن جاسم المعاودة.

وعليه نقول حسناً فعل مجلس أمناء مركز الشيخ إبراهيم بن محمد آل خليفة للثقافة والبحوث حينما قرر، بدعم من ولي العهد الأمين الشيخ سلمان بن حمد آل خليفة وبعض المصارف ومؤسسات القطاع الخاص، إعادة ترميم منزل عبدالله الزايد بمدينة المحرق الشماء والذي بُني قبل أكثر من 100 عام، مع التزام المحافظة على طرازه المعماري الخليجي المتميز واستخدامه مركزاً لتراث البحرين الصحفي بدءاً من نوفمبر 2003.

صحف تباع في الصيدليات

وبالمثل يُحسب للصديق الباحث «صقر بن عبدالله المعاودة» إصداره لكتابه التوثيقي المميز «الصحافة البحرينية تاريخ وعطاء» في عام 2014 أي في الذكرى الخامسة والسبعين لصدور جريدة البحرين، بل إهداء الكتاب لروح مؤسسها الزايد، وتخصيص جزء كبير من صفحاته للحديث المفصل والموثق بالمراسلات والصور عن الجريدة وصاحبها ودورهما الكبير في ترسيخ الأنشطة الفكرية والثقافية في البحرين وعموم منطقة الخليج العربي، رغم الإمكانات البسيطة والتحديات الكبيرة في ذلك الزمن الصعب. ومن المعروف في هذا السياق أن ظهور جريدة البحرين منح الحراك الثقافي والعمل الصحفي في منطقة الخليج دفعة قوية، كما ساهم في ظهور المكتبات في البلاد من تلك التي أخذت على عاتقها بيع أعداد الصحيفة بل وتوزيعها خارجياً، وكانت أولاها «المكتبة الكمالية» التي تأسست عام 1919 على يد صاحبها «سلمان أحمد كمال». إذ إن الصحف كانت قبل ذلك تباع في أماكن غير متخصصة مثل الصيدليات (طبقاً لما روته سميرة رجب في حديث لها لصحيفة الشرق الأوسط عدد 12/11/2018)، وبعد تأسيس المكتبة الكمالية توالى ظهور المكتبات المستوردة لمختلف الصحف والمجلات مثل المكتبة الوطنية سنة 1929 ومكتبة المؤيد سنة 1946.

الابن الوحيد

ولد عبدالله بن علي بن جابر الزايد في الأول من يناير 1899 بمدينة المحرق ابناً وحيداً لعائلة عربية عريقة كان ربها من كبار تجار اللؤلؤ البحرينيين، الأمر الذي جعل والده يهتم بتربيته اهتماماً كبيراً ويترك له بعد وفاته ثروة طائلة ساعدته لاحقاً في السفر إلى الهند للإتجار باللؤلؤ. تعلم الزايد القرآن الكريم في كُتاب قاضي المحرق الشيخ عيسى بن راشد بن أحمد آل خليفة قبل أن يلتحق عام 1920 بالمدرسة الأهلية التي أسسها المحسن علي بن إبراهيم الزياني في تلك الفترة بالمحرق، وكانت تحت إدارة الشيخ المثقف محمد صالح خنجي.

منذ سنوات يفاعته ارتاد الزايد مجلس شيخ أدباء المحرق إبراهيم بن محمد آل خليفة، وظل يختلط بغيره من رواد المجلس من أدباء وشعراء ومثقفين، الأمر الذي منحه جرعة ثقافية وفكرية غزيرة في سن مبكرة، وشجعه على القراءة والكتابة والبحث كهواية لازمته حتى آخر يوم من حياته. ونجد تجليات ذلك في بروزه واحداً من مؤسسي النادي الأدبي بالمحرق الذي ترأسه الشيخ محمد بن عبدالله آل خليفة، بل وتوليه منصب أمين سر هذا النادي ما بين عامي 1920 و1929. وكان هذا النادي هو الثاني في تاريخ البحرين من بعد تأسيس نادي إقبال أوال بالمنامة سنة 1913.

وخلال عمله أميناً لسر النادي المذكور ذي العمر القصير انشغل بإعداد الكثير من الأنشطة والفعاليات والاحتفالات التي استضافت بعض الأدباء العرب من أمثال الأديب عبدالعزيز الثعالبي والشيح محمد الشنقيطي، إضافة إلى الرحالة الأمريكي/اللبناني أمين فارس الريحاني الذي أطلق على الزايد لقب «سلك الكهرباء بين الأدباء». وقد توج نشاطه الفكري بتولي رئاسة اللجنة البحرينية لتكريم الشاعر أحمد شوقي بإمارة الشعر في عام 1927، ثم بمشاركته في حوارات قضية الشعر الجاهلي في القاهرة سنة 1928، علاوة على قيامه في الفترة ما بين 1936 - 1937 بإنشاء دار للمسرح والسينما في المنامة تحت اسم «المسرح الوطني، وهو ما يبرهن على انشغال الزايد أيضاً بمهمة الارتقاء بالذائقة الفنية لمجتمعه.

في الفترة ما بين عامي 1921 و1926 شغل الزايد منصب أمين عام الحركة الوطنية التي قادها الشيخ عبدالوهاب بن حجي الزياني للمطالبة بخروج الإنجليز من البحرين، وتأسيس مجلس للشورى، فكان ذلك إيذاناً بدخول صاحبنا معمعة السياسية رسمياً، من بعد أن كانت السياسة عنده مجرد رأي يعبر عنها من خلال الكتابة الصحفية فقط، على نحو ما ظهر في مقالاته الداعية لتعزيز الانتماء العروبي والوحدة والتضامن ضد أعداء الوطن والابتعاد عن التفرقة والتشرذم والفتن، ومطالبة شركة النفط بتدريب المواطنين البحرينيين وإحلالهم محل الأجانب ومساواتهم لجهة ساعات العمل والإجازات والحقوق الأخرى.

بعد أن قامت السلطات البريطانية في البحرين ممثلة في المعتمد الإنجليزي الميجور «كلايف كيرك باتريك ديلي» باعتقال الشيخ عبدالوهاب الزياني ورفيقه في النضال السياسي السلمي أحمد بن لاحج البوفلاسة، وإصدار حكم بنفيهما إلى بمبي على ظهر بارجة بريطانية في عام 1923، شعر الزايد بخيبة أمل كبيرة وانهارت معنوياته، الأمر الذي دفعه في عام 1929 إلى مغادرة البحرين إلى بمبي، حاضرة الهند الاقتصادية ومركز تجارة اللؤلؤ وملتقى كبار تجار وأعيان الخليج والجزيرة العربية. لكنه في هذه المدينة العصرية الساحرة في تلك الحقبة لم يلتقِ الرجل بالزياني مجدداً؛ لأنه كان قد انتقل إلى رحمة الله في يونيو 1925، ودفن في إحدى مقابرها الإسلامية. لذا نراه يوجه قصارى جهده نحو تعلم اللغة الإنجليزية، وقراءة أمهات الكتب في الشعر والأدب والفلسفة، ومراسلة بعض الصحف العربية مثل الفيحاء الدمشقية والمستمع العربي، والاستفادة من تواجده في الهند باكتشاف كل جديد وعصري، وتكوين علاقات مع طبقة التجار والمثقفين العرب القاطنين في الهند أو المترددين عليها من الذين يُعتقد أنهم كانوا وراء دفعه للاستزادة المعرفية من خلال السفر، فسافر من الهند إلى بغداد وبيروت وإيطاليا وفرنسا وبريطانيا.

التأثر بالهند

ومن هنا قيل أن جزءاً من نبوغ وتمدن الزايد يُعزى إلى ما تعلمه وشاهده في بمبي. وبالمثل قيل إن اهتمام الرجل بأمر تأسيس صحافة بحرينية يرجع إلى ما لمسه شخصياً من دور الصحافة الهندية في الإصلاح وتقويم المعوج ونشر الفكر والتنوير ومحو الجهل والخرافات السائدة في المجتمع. وبعبارة أخرى وجد الزايد في تأسيس الصحف في بلاده قناة مناسبة بديلة للدفع باتجاه الإصلاح ومقاومة المستعمر وتنوير العقل والتعاون والوحدة بين العرب والمسلمين، بعدما انتكس مشروع الزياني بنفيه. وهكذا نجده يتصرف في كمية من ثروته من اللؤلؤ الطبيعي بيعاً لينفق ثمنها على شراء ونقل مطابع صحفية من الهند وألمانيا إلى البحرين ليبدأ بها إطلاق أول صحيفة في المنطقة على نحو ما فصلنا آنفا، رغم علمه المسبق بالعوائق التي قد تضعها السلطات البريطانية في طريقه، خصوصاً أن الأخيرة كانت قد سنت أول قانون للصحافة في البحرين سنة 1930 لضبط عملية توزيع الصحف وضبط مساهمة المثقفين البحرينيين فيها بالمقالات والتعليقات والمطالبات.

ترخيص الصحيفة

وحول كيفية حصول الزايد على ترخيص رسمي لإصدار صحيفته، أخبرنا الباحث عبدالعزيز يوسف أحمد السيد في الصفحات من 619 إلى 628 من كتابه (مسيرة وطن (البحرين/2010) أن الزايد تقدم بخطاب حول الموضوع إلى مستشار حكومة البحرين السير تشالرز بلغريف في 8 ديسمبر 1937، مبيناً فيه الفوائد التي ستعود على المواطن والوطن من وجود صحيفة سياسية في البحرين، ومتعهداً بالحرص على توثيق العلاقات العربية - البريطانية من خلالها. وقد استمرت المخاطبات بين الطرفين مدة تجاوزت الأشهر الخمسة إلى أن تم منح الزايد الموافقة النهائية وفق شروط متفق عليها. أما تأسيس مطبعة الزايد التي عرفت بـ «مطبعة البحرين ومكتبتها» فقد تأسست بعد خطاب أرسله الزايد إلى المستشار بلغريف في 17 أغسطس 1935، رد عليه الأخير بالموافقة بعد أسبوع مع التنبيه بتجنب طبع المقالات المثيرة للآراء طبقاً لما ذكره الباحث المعاودة في كتابه «الصحافة البحرينية تاريخ وعطاء» استناداً إلى ما ذكره عبدالعزيز السيد (مرجع سابق ص.348).

ومما يُحسب للزايد أنه عمل على تدريب وتأهيل الشباب البحريني على أعمال تشغيل المطابع وإدارتها وصيانتها وصف حروفها. يقول المعاودة في كتابه سالف الذكر (ص. 16 وص.18) إنه لهذا الغرض أوفد الزايد صديق عمره «راشد بن صباح الجلاهمة» إلى العراق للتدرب على «الأعمال الإدارية وفنون الطباعة مع تكليفه باستقدام خبير عربي لتشغيل المطبعة وتدريب العاملين فيها، وقد أمضى الجلاهمة سبعة شهور قضاها بين المطابع واطلع عليها وأخذ الخبرة الكافية لتشغيلها وإدارتها، واتفق مع الشاب الفلسطيني (نوح إبراهيم) الذي لديه الخبرة ويعمل بإحدى المطابع هناك للعمل بالبحرين بمطبعة الزايد، وقد عاد الجلاهمة وبرفقته الخبير نوح إلى البحرين في أوائل 1936». هذا علماً بأن نوح بعد قيامه بتدريب العديد من البحرينيين واطمئنانه على عمل المطبعة بكفاءة ترك البحرين ذاهباً للجهاد في فلسطين فيما حل محله خبير آخر من الهند اسمه «لطيف».

..نهضوياً في كتاباته

قلنا إن الزايد كان أيضاً صاحب موهبة شعرية، إلا أن انشغاله بجريدته والقضايا الوطنية والسياسية حال دون تفرغه لإبراز كل طاقته الشعرية، وفي هذا السياق كتب الدكتور إبراهيم عبدالله غلوم في كتابه «عبدالله الزائد وتأسيس الخطاب الأدبي الحديث» (إصدارات النادي الأهلي/البحرين/1996 ص. 27 ــ 30) ما مفاده أن الزايد استعاض عن ذلك بالإكثار من المقالات النثرية مع تخصيص مساحات عريضة في جريدته لقصائد الآخرين ومعاركهم الشعرية. فقد احتفى بقصائد الشعراء الشيخ محمد بن عيسى آل خليفة، وإبراهيم العريض، وعبدالرحمن المعاودة، وخالد الفرج، ورد عليها شعرا سواء بالانتقاد أو الاستحسان. وقد أكد غلوم في كتابه أيضاً على حقيقة أن الزايد كان نموذجاً تنويرياً نهضوياً في كتاباته، منفتحاً على كل التيارات الفكرية.