قرائنا من مستخدمي تلغرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال تطبيق تلغرام
إضغط هنا للإشتراك

  شمسان بن عبد الله المناعي

بعد مخاض ثوري طويل بدأ بمظاهرات سلمية منظمة للشعب السوداني في جميع محافظات السودان، الذي ظل لفترة طويلة يعاني منذ الاستقلال من حكم العسكر أخيراً، تمكّن هذا الشعب أن يقدم تجربة فريدة من نوعها للعالم يثبت من خلالها بأن التغيير السياسي يمكن أن يتم بطريقة سلمية متى ما أُريد ذلك، وهذا ما تحقق للشعب السوداني بفسيفسائه الموجودة فيه، إلا أنه استطاع أن يصل إلى تحقيق أهدافه.
لذا؛ يحسب للشعب السوداني وقوى المعارضة التي استطاعت أن تمسك بخيوط الحراك الجماهيري وتوجيهه نحو الطريق الأسلم بعيداً عن أي شكل من أشكال التصعيد الذي يؤدي إلى حالات من العنف، وفي مقابل ذلك تحلى الجيش الذي أمسك بزمام السلطة بعد الإطاحة بنظام البشير، بالهدوء والمسؤولية وفتح الأبواب أمام الوساطات، وبخاصة الإثيوبية والأفريقية؛ الأمر الذي أسهم في الحفاظ على خيط من الثقة بين الجيش وأطراف المعارضة رغم الخلاف الذي نشأ بعد فض الاعتصام أمام مقر القيادة العامة في الخرطوم.

هنا أكاد أجزم بأن نظرية أن العنف والصراع السياسي لا يحسم إلا بطريق القوة والعنف فقط هي نظرية خاطئة؛ لذلك كان لدى جميع أطراف الصراع في السودان بعد إطاحة نظام عمر البشير قناعة بعدم اللجوء للقوة العسكرية لحسم الصراع، وبخاصة بين الجيش وقوى التغير السياسي، وهذا يدل على وعي الشعب والجيش في السودان بهذه القناعة والحرص على السلمية لدى مختلف الأطراف، وهي التي ساعدت أيضاً على تجنيب البلد المخاطر؛ ولذلك كانت مؤسسات الدولة المختلفة في السودان تعمل والحياة مستمرة.
كذلك، متى ما كانت هذه القناعة موجودة عند جميع الأطراف يكون الهدف ليس هو الوصول إلى السلطة، لكنه وسيلة لبلوغها، وهذا ما تحقق بالفعل في السودان.
متغير مهم كذلك لا بد من الإشارة إليه، وهو أن السودانيين لم يقبلوا بأي مبعوث من الأمم المتحدة، فقط سُمح بالوساطات الإثيوبية والأفريقية، وبذلك يكون السودان قد تدارك ما وقعت فيه بعض الثورات العربية من تأزيم مثل الثورة السورية التي سمحت للأمم المتحدة بالتدخل من خلال المبعوثين الدوليين الذين عملوا على تأجيج موقف الثورة، أكثر مما أطال من الوضع في سوريا بعدها تدخلت دول معينة بجيوشها في سوريا، مثل إيران وتركيا وروسيا؛ مما تسبب في تدويل القضية السورية التي لا تزال تحت قبضة تحالف دول عدة تدخلت في القضية السورية وهي إيران، وتركيا، وروسيا، وتراجعت الثورة إلى الوراء.

أما في ليبيا، فهناك تحالف بين الجيش بقيادة خليفة بالقاسم حفتر والشعب الليبي، الذي فوض الجيش من خلال مجلس نوابه بأن يطهر البلد من الإرهابيين؛ ومن الميليشيات الإرهابية التي يمولها النظام القطري، وهذا ما صرح به الناطق الرسمي، المسماري، للجيش الليبي عندما قال: «لولا الدعم القطري لتم الانتصار منذ مدة طويلة»، وفي تصريح آخر له قال: «سوف نحاسب النظامين القطري والتركي وكل من تدخل في ليبيا بعد نجاح الثورة»، حتى يحصل مثلما حصل في سوريا، ولولا انتصارات الجيش ودخوله بنغازي، وهو الآن على مشارف طرابلس لتحريرها، وما الأمر إلا مسألة وقت فقط.
مما ساعد كذلك على نجاح الثورة في السودان هو تمسك الشعب بمكوناته المختلفة بمطالبه الاستراتيجية، وهو إقامة حكومة مدنية، ولم تتنازل عن هذا المطلب في موازاة هذا الموقف، فإن الجيش الذي أطاح النظام هو كذلك لم يكن هو الآخر على استعداد لأن يغادر المشهد السياسي من دون تحقيق أي من المطالب التي طرحها، وهو المشاركة في الحكم خلال المرحلة الانتقالية. هذا التلاحم التاريخي هو الذي مكّن الثورة من الخروج من عنق الأزمة التي عاشها بعد إسقاط نظام البشير.