أولا وقبل كل شيء تربط السعودية والكويت علاقة تاريخية وجغرافية أصيلة حميمة يشهد بها عمق التاريخ، فهي علاقة جوار وإخاء ومتانة شعبية، فمنذ اتفاقية ترسيم الحدود بين السعودية والكويت الشقيقة والعالم ينعم بتدفق سلس للطاقة، فالمملكة والكويت تدركان منذ النشأة أهمية الدور الذي تقومان به من أجل استقرار الأسواق، وقد كان من نتائج تلك الاتفاقية تأسيس المنطقة المقسومة بين الدولتين كمنطقة عازلة على الحدود الدولية بينهما والعمل فيما بينهما على تحسين التعاون لتطوير المشاريع في تلك المنطقة وتوزيع الموارد وإدارة عمليات الاستكشاف.
ومع ذلك اضطرت المملكة إلى وقف الإنتاج في المنطقة نظرا لمشكلات بيئية، وهو ما أدى إلى توقف 0.5 في المائة من الإنتاج العالمي، ورغم هذه الخسارة إلا أن الأهم هو تحقيق المعايير، وليس الإنتاج بذاته، ولهذا دخلت الدولتان الشقيقتان في نقاش وحوار من أجل إعادة الإنتاج بالطريقة المناسبة، وقد استغرقت هذه المفاوضات زمنا، لأهمية الموضوع ولأن كلتا الدولتين كانتا حريصتين على المصالح المشتركة، والتفاهم الجيد بشأن هذه الموضوعات.

وقد كان هناك عديد من اللقاءات عالية المستوى كان أهمها اللقاء الذي جمع ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان بأمير الكويت الشيخ صباح الأحمد، وهي الزيارة التي مهدت الطريق للاتفاق المشترك الذي وقع أخيرا، حيث وقعت السعودية مع الكويت اتفاقية ملحقة باتفاقيتي تقسيم المنطقة المقسومة والمنطقة المغمورة المحاذية للمنطقة المقسومة بين البلدين، ومذكرة تفاهم تتعلق بإجراءات استئناف الإنتاج النفطي في الجانبين. ووقع عن الجانب السعودي الأمير عبدالعزيز بن سلمان وزير الطاقة، وعن الجانب الكويتي، الشيخ الدكتور أحمد ناصر المحمد الصباح وزير الخارجية.

من المؤكد أن الأسواق العالمية قد استبشرت بهذا الاتفاق؛ ذلك أنه يعيد إلى الأسواق 0.5 في المائة من الإنتاج، ورغم تحقيق هذه الوفرة في الإنتاج إلا أن المملكة تؤكد، وفقا لما صرح به وزير الطاقة، أنها ستبقى

ملتزمة بمستوى إمدادات المملكة إلى الأسواق العالمية، حيث سيكون إنتاج المملكة 9.744 مليون برميل يوميا من النفط الخام التزاما بهدفها المحدد في اتفاق "أوبك+" الأخير. فالمملكة التي قدمت كثيرا من أجل استقرار أسعار الطاقة، وما بذله الأمير محمد بن سلمان من جهود لإصلاح حوكمة الإنتاج النفطي بدخول المنتجين من خارج "أوبك" حريصة أيضا على استمرار هذا الاستقرار، وما العودة لاستئناف الإنتاج من الحقول المشتركة إلا رسالة إضافية للأسواق والاقتصاد العالمي على قدرة الإنتاج السعودي على معالجة أي اختلالات قصيرة الأجل، كما تؤكد المملكة من خلال هذه الاتفاقية ما سبقها من تعطل الإنتاج والعودة الحالية، اهتمامها بالقضايا البيئية المصاحبة، وأنها حريصة كل الحرص على قضايا الاستدامة، كما هو حرص الأشقاء في الكويت على ذلك أيضا.

من اللافت الدور الكبير الذي قام به ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان في صناعة هذه الاتفاقية، وهو المسار نفسه الذي انتهجه مع كل الدول المنتجة سواء من داخل "أوبك" أو خارجها، فالأمير هو عراب السوق النفطية اليوم وهو الأقدر على فهم المشكلات وتأثيراتها والطريقة الأفضل لحل القضايا العالقة من خلال منهجية الحوار واللجان المشتركة، وهو ما تدعو إليه المملكة دوما، وأن المصالح المشتركة، وحسن الجوار قضايا أساسية في السياسة السعودية، وهذه المنهجية والوضوح والشفافية هي التي أثمرت إصلاح السوق النفطية في وقت صعب مع انهيار الأسعار، وهو أيضا ما أثمر هذا الاتفاق التاريخي بين السعودية والكويت الذي سيعود بالخير على الشعبين الشقيقين والعالم أجمع، هذا الدور الجلي الواضح للأمير محمد بن سلمان في إصلاح السوق النفطية شهد به كبار القادة في العالم على رأسهم الرئيس الروسي بوتين، عندما أشاد بالجهد الكبير الذي قام به الأمير من أجل التوصل للاتفاقيات الحديثة التي تقود السوق اليوم.