هدى رؤوف

في سبتمبر (أيلول) 2015، عيّن المرشد الأعلى علي خامنئي، أعضاءً في المجلس الأعلى للفضاء السيبراني، وهو الجهة المنوطة رسم السياسات. وفي 2011 - 2012 أنشأت إيران قيادة مشتركة للدفاع السيبراني، لإحباط الهجمات ضد منشآتها النووية، خصوصاً بعد هجمات ستوكسنت Stuxnet عام 2010، وما تلاها من اختراقات شبكة المفاعلات النووية الإيرانية.

كما أنه لدى الحرس الثوري قيادة الدفاع السيبراني الخاصة به، ويوظّف ما يسمّى بـ"جيش إيران السيبراني"، ونفّذ هجمات قرصنة ضد عددٍ من المنظمات الأجنبية، وتتعامل إيران مع القدرات السيبرانية باعتبارها لا تعدُّ مجرد أداة للدعاية والاستغلال المخابراتي فحسب، لكن أيضاً وسيلة يمكن لها أن تعوّض بها ضعفها العسكري التقليدي في مواجهة جيرانها الإقليميين والولايات المتحدة.

واعتبر تقدير الاستخبارات المركزية الأميركية لعام 2017، أن إيران تواصل الاستفادة من التجسس الإلكتروني والهجمات لدعم أولوياتها الأمنية، والتأثير في الأحداث والتصوّرات الخارجية عنها ومواجهة التهديدات، بما في ذلك ضد حلفاء الولايات المتحدة في المنطقة، إذ استخدمت قدراتها الإلكترونية بشكل مباشر ضد الولايات المتحدة.

وعلى سبيل المثال، في عام 2013، تدخّل أحد القراصنة الإيرانيين في نظام التحكُّم الصناعي للسد الأميركي، وفي 2014، نفّذت جهات إيرانية هجوماً لحذف البيانات ضد شبكة الكازينو الأميركي، كما نُسِب إليها الهجمات ضد شركة أرامكو السعودية، التي أثرت في إمدادات النفط للاقتصاد العالمي، وفي ديسمبر (كانون الأول) 2012 نفّذت إيران هجوماً إلكترونياً واسعاً ضد "أرامكو"، ألحق أضراراً بنحو 30,000 من أجهزة كمبيوتر الشركة.

ووفقاً لتقارير إعلامية فإنّ إسرائيل أطلقت هجوماً إلكترونياً في التاسع من مايو (أيار) 2020 ضد الميناء الإيراني في بندر عباس جنوبي إيران، ردّاً على هجوم إلكتروني إيراني ضد البنية التحتية للمياه والصرف الصحي (شبكة المياه) في إسرائيل. هذا الهجوم الأخير أحدث ردود فعل قوية من حيث خطورته حال نجاحه، لأنه استهدف المياه الإسرائيلية، بالتالي أحدث خسائر بين المدنيين لقطع المياه وتلوثها، فضلاً عن أنه المحاولة الثالثة لاستهداف شبكات المياه في إسرائيل. أمّا الهجوم الإسرائيلي على الميناء الإيراني فتسبب في انهيار أجهزة الكمبيوتر التي توجّه حركة السفن والشاحنات والبضائع، ما أدّى إلى إغلاق النشاط بالميناء لعدد من الأيام.

ونُفِّذ الهجوم على شبكة المياه الإسرائيلية المنسوبة إلى إيران في عددٍ من النقاط بجميع أنحاء البلاد في الـ24 والـ25 من أبريل (نيسان) 2020 في بداية المرحلة الأولى من الخروج من الإغلاق الكامل الذي نفّذته إسرائيل، لمواجهة تفشي فيروس كورونا. وورد أن الهجوم جرى من خلال وحدات الجرائم السيبرانية التابعة إلى الحرس الثوري الإيراني.

وتستهدف أي دولة من تنفيذ الهجمات الإلكترونية جمع المعلومات لتمكين الحرب المعرفية، وإرسال رسائل ردع، وزيادة الضغط على النظم العسكرية والمدنية من أجل تحقيق الأهداف الدفاعية والسياسية، أو شن هجمات من أجل التأثير النفسي.

ويعتبر الهجوم على أنظمة القيادة والسيطرة على البنية التحتية المدنية الأساسية على مستوى عالٍ من حيث مدى خطورة الهجمات السيبرانية، لأنها تعرِّض عدداً كبيراً من السكّان المدنيين للخطر، على سبيل المثال بسبب تلوث المياه، أو الحوادث الناتجة عن الهجمات على أنظمة النقل.

وتصبح الهجمات السيبرانية أكثر عرضة للخطر مع تسارع سباق التسلّح السيبراني في المنطقة، وتوظيف إيران له باعتباره إحدى أدواتها الاستراتيجية، لا سيما في ظل عدم قدرتها على ردّ الهجوم العسكري للولايات المتحدة بالمنطقة، أو التحرّكات الإسرائيلية المعلنة في سوريا ضد الأهداف الإيرانية.

وعلى الرغم من كونها ليست الهجمات السيبرانية الأولى للدولتين في مواجهة بعضهما بعضاً، فإنه من المرجح استمرار تطوير كل منهما القدرات السيبرانية، باعتبارها ضمن استراتيجية الدولتين في المواجهة، وهو ما يفتح المجال لمزيد من الهجمات مستقبلاً، لا سيما أن إسرائيل أعلنت أن هجومها على ميناء بندر عباس لم يكن الأوحد، بل سبقه ثلاث هجمات من قبل من دول أخرى، وكثير من الهجمات التي تتعرّض لها إيران لا تعلنها، ومن المرجّح كذلك أن تستهدف الهجمات المقبلة الانتخابات الأميركية، لهندسة وسائل التواصل الاجتماعي. ويجدد تطوير القدرات السيبرانية والهجمات التي تقوم بها إيران التساؤل حول التخصيص الأمثل لمواردها في ظل الوضع الاقتصادي المتدهور الذي تعانيه منذ إعادة فرض العقوبات الأميركية.