قراؤنا من مستخدمي تلغرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال تطبيق تلغرام
إضغط هنا للإشتراك

الشاب الثري العائد من أوروبا حاملا شهادة جامعية من إحدى جامعاتها، لن تعجبه بين بنات بلدته الصغيرة تشوكوروفا غير خطيبة شاب فقير غير متعلّم، يقع في حبها فيستحضر عفاريت الشرّ كلها ويخطط لتلفيق تهمة لخطيبها وسجنه، ثم يتزوّجها عنوة.. تتشابك الأحداث بعدها وتصبٌّ في منحىً واحد، يجعلنا نكره خرّيج الجامعة ونتعاطف مع الشاب الفقير الذي يلتقي بالصدفة في سجنه برجل ثري كان مثله فيتبناه (استنساخا لقصة الكونت دي مونتي كريستو)، هذه بعض أحداث المسلسل التركي "كان يا ما كان في تشوكوروفا" قبل أن يغيِّره المدبلجون إلى "مرارة الحب" لاستسخافه أكثر.

في كل حلقة صراخ، بكاء، إطلاق رصاص، خطف، وسجن، ومخافر شرطة، ومظالم، و"صبرك يا أيٌّوب" على هذه الحالة..

الزوجة الشّابة، الدمية "أم عيون خضر" تجرفها زوبعة في فنجان، تعجز تماما عن تخليص نفسها، فتنتظر الخلاص من الرّجل الذي أحبته ذات يوم، تذبحنا يوميا بانهزاميتها المفرطة، فحتى نساؤنا اللواتي عشن ظلما أعمى في مجتمعاتنا لسن بهذا الغباء.

يا الله أين نساؤنا الجبّارات اللواتي يواجهن الحموات بالدّهاء الخارق؟ ويستعملن سحرهن فيجعلن أزواجهن يمشون على العجين دون أن "يلخبطوه"؟ أين أمينة المسحوقة التي ابتكرها نجيب محفوظ دون إخلال بالحقيقة الاجتماعية، متوِّجًا بها ثلاثيته التي انتقلت للتلفزيون والسينما بنجاح؟ تلك الزوجة التي لا يحرّكها الغباء ولكن غريزة البقاء من أجل أولادها، فتعرف متى تتكلّم، ومتى تصمت، ومتى تعيش فترات مسروقة لنفسها.

بين أمينة "قصر الشوق" وجوليا التركية فروق شاسعة، فالأولى تشبه ماضينا، وبعض حاضرنا، وهي صورة أمهاتنا أو جداتنا، أما جوليا فتقدم لنا كبطلة قصة حب محزنة، الضحية فيها بالدرجة الأولى "نحن"، تخبرنا بعض المواقع أن المسلسل نال أعلى نسبة مشاهدة، فيحضرني سؤال ملِحٌّ جدا، عن أي جمهور يتحدّثون؟

هل هو نفس الجمهور الذي كان يقيس نجاح الدراما بمقياس دقيق مثل "ريختر" أم أنّه جمهور آخر جاءنا منذ قرر بعض قصيري النّظر دبلجة الأعمال التركية للّهجة السورية وتقديمها لنا كوجبات "الدّليفيري" لملء الجوع الذي خلقه تكاثر الفضائيات العربية وحاجتها لأي نتاج والسلام؟.

قصّة "جوليا" ليست متفرّدة بأحداثها الغبية، فأغلب النتاج التركي الذي تعجُّ به شاشاتنا على هذا النّسق، حتى أننا إن أغمضنا أعيننا أمام أي حلقة تعرض من أي مسلسل كان، نسمع نفس الأصوات، بنفس الصراخ مع تكرار كلمة "انقلع" بشكل مبالغ فيه، وكأن ما يعرض مسلسل واحد مستمر إلى الأبد.

تسقط العناوين في السطحية نفسها، وكأنّها طُعم لاصطياد أكثر الطبقات سطحية من الجمهور العربي، بعض العناوين تجعلك تنفجر ضاحكا، مثل "اتصل بوكيلي" أو "اتصل بمدير أعمالي" أو "يا أسفى على شبابي"..

في الأخير أخبر قارئي أن الظروف الصعبة تجبر جمهورا عريضا على تجرع هذا الكم من الغباء.