قراؤنا من مستخدمي تلغرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال تطبيق تلغرام
إضغط هنا للإشتراك

قبل أكثر من أربعة عقودٍ تقريباً دار جدل محتدم في السعودية حول حكم استعمال الميكروفون للصلاة في المساجد. معظم المساجد في بعض المدن لم تكن ترحب بهذا الاختراع الحديث؛ في بريدة نشب سجال عالٍ بين من أدخل الميكروفون إلى المسجد وبين الممانعين، ومن الحوارات الطريفة أن شخصاً من «إخوان بريدة» جاء إلى إمام مسجدٍ وهو له من الناصحين، طالباً منه إخراج الميكروفون فوراً من المحراب لأن فيه تجاوزاً وتدنيساً وإدخالاً لمخترع محدث، ناقشه الإمام عن حجته، فقال إن هذا الجهاز ليس موجوداً في عصر النبوة، وما استخدمه الصحابة، رد عليه الإمام وهو يشير إلى نظارة ناصحه: وهل كانت هذه النظارات تستخدم في ذلك العصر؟! وانتهى النقاش. هذه صورة واحدة من عشرات الصور على جلبة كبيرة صحبت دخول الميكروفونات إلى المساجد، وحتى يومنا هذا لا تستخدم بعض المساجد هذا الجهاز العجيب، إنه معركة حامية الوطيس حول مكبرات الصوت.
كان الميكروفون مجرد علامة على صراعٍ بين تيارين اثنين؛ أحدهما يصعد والآخر يتلاشى، الذي يصعد هو التيار المناوئ لـ«إخوان بريدة» ومنهم الشيخ صالح البليهي الذي ناله منهم الكثير من الأذى، بينما أخذ تيار الزهاد أو «الإخوان» بالأفول تدريجياً وبخاصة بعد انبعاث مؤسسات تحفيظ القرآن، والدخول في أنشطة غير مألوفة مما جعل النقاش حول الجزئيات والهوامش أمراً غير ذي جدوى، وهذا ما جعل «خطاب التيسير» ينتعش ليس لأنه فعلياً خطاب تيسير وما كان كذلك، وإنما القصد منه إحراج «إخوان» بريدة ولمقاومة سلطة «الإخوان»، لذلك نصح بعض المشايخ تلميذهم الصاعد سلمان العودة آنذاك بالرد على «إخوان» بريدة فكتب مؤلفه الشهير: «المسلمون بين التشديد والتيسير».
نشبت لاحقاً خلافات كبرى حول حكم «حفلات تخريج حفظة القرآن»، وسواها من المعارك الطاحنة بالمنشورات والكتيبات والزيارات والمناصحات. لاحقاً بالطبع انتشر وانتصر تيار الصحوة الإسلامية، ودخل إلى المساجد ما يعرف بـ«الصدى» وهو جهاز محسّن للصوت يضاف إلى الميكروفون، واختلفوا إن كان يكرر الحرف القرآني مما يعد زيادة على الآية، وبعضهم حذّر من أن هذا يوشك بالإنسان إلى الكفر، وقد تدخل آنذاك الشيخ محمد بن عثيمين، وأصدر فتوى صارمة حول الصدى بشرط ألا يكرر الحرف أو يزيد على الآيات.
تطوّر الميكروفون من الاستخدام لتبليغ الأذان وآي القرآن، ليتحوّل مع اشتداد هيمنة الصحوة على المساجد، ونهاية إمامة الرعيل الأعلى من السلفيين والوهابيين التقليديين لوسيلة تصعيد تستخدم بين الفينة والأخرى لأغراض سياسية واجتماعية. انتقل الميكروفون من وظيفة التبليغ لنداء الحق، إلى التوظيف السياسي تدريجياً، باتت المدن كلها مشركة بأسلاك هذا الجهاز العجيب، حتى أن بعض المساجد تستأذن من بعض البيوت لمرور الأسلاك من جدرانها، ويا لها من مرحلة صاخبة حين اشتد أوار الأزمات في المنطقة، وتحولت المدن كل المدن إلى ساحات للمحاضرات ومنصات للمايكات، من الجوامع التي تلقى بها المحاضرات السياسية المحضة كما في الدروس العلمية العامة لسلمان العودة، أو مثيلها وشبيهها لسفر الحوالي وناصر العمر ومن معهم في تلك الحملة.
الميكروفون حوّل المدن إلى مركز صيفي ضخم، كل مدينة هي عبارة عن مركز تهيمن عليه الصحوة، تدخل إلى فناء منزلك تجد المطويات وأشرطة الكاسيت وقد قذفها أحد طلبة العلم من فوق الجدار، تذهب للصلاة يقفز أحدهم ليتوعد المصلين الذين حطّت خطاياهم وهم ما زالوا يستغفرون من العذاب، ومن الطبيعي أن ترى جامعاً أو مسجداً يعمل فيه الميكروفون من بعد صلاة العصر حتى نهاية صلاة العشاء، ما بين كلمات، ومسابقات، وتلاوات، وسواها، بمعنى آخر، فإن البيوت كلها كانت تحت مرمى هذا الجهاز الذي تحوّل إلى جزء من التيار.
أذكر عندما كنتُ إماماً لمسجد الشيخ عبد الله الصالح الراشد شمال بريدة أن التعميم حول «إغلاق مكبرات الصوت وقت الصلاة» يأتينا باستمرار من وزارة الشؤون الإسلامية، وعلمتُ أن هذا مؤكد عليه حين عملتُ لخمس سنواتٍ في وزارة الشؤون الإسلامية بالرياض، ولكن لأن الوزارة آنذاك ضعيفة ولا تستطيع أن تقوم بكل المهمات في ظل سطوة التيار، فإن ما قام به الوزير عبد اللطيف آل الشيخ هو تأكيد على قرارٍ سابق، لذلك فإن الهجوم عليه لا يقصد منه مسؤوليته عن هذا القرار بقدر ما يقصدونه شخصياً لما عمله ضدهم في مناصبه السابقة.
وكل دارس للفقه يعلم أن هذه المسألة لا علاقة لها بصلب الفقه ولا هي جزء من شروط الصلاة، بل إن الفتوى الأعمق حول هذا الموضوع ما صدر عن الشيخ محمد بن عثيمين بضرورة وقف المكبرات أثناء الصلوات، ثم إن التأصيل الفقهي يجعل اختيار الحاكم لقول في الفقه منصوص عليه على قول من حقّه، وحكم الحاكم يرفع الخلاف كما يقول الإمام ابن القيم، هذا في قول نصّ عليه فما بالك باستخدام جهاز حديث من عدمه وقت الصلاة.
إن السجال حول الميكروفون واستعماله لا يمتّ إلى الفقه بصلة، وكل من درس الشريعة يعلم أن هذه المسألة لا يمكن تبويبها في أي مجالٍ فقهي، وإنما القصّة بأكملها آيديولوجية، إنهم يخافون من سحب هذه السلطة التي ساطوا بها ظهر المجتمع ودوخوا بها الناس، إنهم يدافعون عن تيارهم وحزبهم ونشاطهم، يريدون أن تبقى المدن عبارة عن مراكز صيفية ضخمة. لننظر إلى مواقف الفقهاء العقلاء ونقارنه بزعيق المتطرفين المؤدلجين، وما هو مكبر الصوت أصلاً، وما علاقته الفقهية بالصلاة؟!
بعد أربعة عقودٍ من السجال حول مكبر الصوت يعود الجدل مجدداً بنفس الصيغ تقريباً، الفرق أن الدولة هذه المرة تريد أن تجعل الأمور كلها أكثر ضبطاً بما فيها المساجد والجوامع، لئلا تكون منصة للخطاب السياسي كما فعلوا من قبل، إن المسجد مكان للعبادة والتلاوة والصلاة، ولم يعد المايك بعد اليوم سوطاً بيد فئة متطرفة معتدية مارقة.