قراؤنا من مستخدمي إنستجرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال حسابنا على إنستجرام
إضغط هنا للإشتراك

يسمونه «بيبي»، تدليلاً، أما غُلاة أنصاره فيعطونه لقب «ملك»، تفخيماً، ولكنه يبقى بنيامين نتنياهو، ذلك المقامر السياسي من طراز غير مألوف، المتحايل في ألاعيب فنون الكذب بملاعب السياسة ودهاليزها على نحو متميز، إلى أن ينكشف كذبه، حتى في التعامل مع زعماء دول تتحالف إسرائيل، وليست تعاديها، كما حصل مع الرئيس الفرنسي الأسبق نيكولاي سركوزي، ونظيره الأميركي باراك أوباما. في المقابل هناك الفلسطيني المثير حيرة كثير من الناس، سواء داخل فلسطين أو خارجها، عرباً ومسلمين. إنما يجب أن أسارع إلى القول إنني لستُ أعني أياً من مواطني فلسطين غير المسؤولين في مواقع اتخاذ القرار. هؤلاء بلا حول ولا قوة فعلاً. إنما أقصد الجالسين في مراكز قيادية بمختلف الفصائل والتنظيمات، وهؤلاء أيضاً ليسوا سواء، ومن مجافاة الصواب النظر إليهم جميعاً من منظور متساو في تقييم المواقف والأفعال.
بعد اثني عشر عاماً من التحكم في القرار الإسرائيلي، أطاح خصوم نتنياهو، الأحد الماضي، حكم سياسي بدأ الصعود على سلالم أضواء السياسة منذ مقتل شقيقه يوناثان عام 1976 أثناء عملية استهدفت تحرير رهائن طائرة ركاب فرنسية، بينهم إسرائيليون، خطفها فلسطينيون وألمان إلى مطار عنتيبي بأوغندا. تركت تلك الواقعة تأثيرها الحاد على بنيامين نتنياهو في الموقف من أي سلام مع الفلسطينيين عموماً، ومع المشتغلين منهم في العمل السياسي، خصوصاً، لأنهم جميعاً، في باطن تفكيره، مسؤولون بشكل ما عما حصل لشقيقه، بصرف النظر، عنده، عما إذا كان الشقيق يوناثان ذاته مسؤولاً عن مقتل عشرات الفلسطينيين، أو أكثر، سواء في ساحات مواجهة عسكرية، أو خلال مداهمات لأحياء سكنية ومنازل مدنيين عُزل، وبغض النظر كذلك عن مدى الصواب، إضافة إلى المشروعية، في تجاوز حكومة تل أبيب، آنذاك، سيادة دولة أوغندا، واستفرادها في اتخاذ قرار تنفيذ عملية «كوماندوز» على أرض غيرها، بغرض إنقاذ رهائن ربما أمكن إنقاذهم بالتفاوض السلمي، وبلا تقديم أي تنازل من جانب إسرائيل. لكن السؤال؛ متى كان لحكمة العقل آخر القول، والقرار الحاسم، عندما يتعلق الأمر بنزق بعض أهل الحكم؟
الجواب نادراً. وكما يبدو المشهد الإسرائيلي، سياسياً، أقرب إلى مسرح اللامعقول، يجري هذا فلسطينياً، كذلك، منذ زمن بعيد، وليس حصراً مِن بعد صعود حركة المقاومة الإسلامية، «حماس»، المسرح الفلسطيني، بجدارة، خلال الانتفاضة الأولى (1987- 1993)، ثم فوزها الشرعي في انتخابات 2006 وصولاً إلى استيلائها الإنقلابي على السلطة الشرعية في قطاع غزة صيف 2007. أستحضر هنا مشهداً ليس بعيداً عن غرائب السياسة، لكنه ليس متصلاً بها مباشرة. معروف كم كان مراً تهكم سرحان عبد البصير (الفنان الكبير عادل إمام) في «شاهد مشفش حاجة»، العمل المسرحي الكبير، الذي بهر أغلب الناس في العالم العربي كله، تقريباً، قبل خمسة وأربعين عاماً من هذا اليوم. لماذا؟ الأرجح، لأن معظم المشاهدين رأوا أنفسهم في علاقة المواطن البسيط عبد البصير مع أجهزة الحكم وأدواته. هكذا هو الأمر، على وجه التقريب، في العلاقة بين السواد الأعظم لجيل الشباب الفلسطيني، خلال سبعينات، ثم ثمانينات، وحتى نهاية تسعينات القرن الماضي، وبين أغلب قيادات العمل الفلسطيني باختلاف راياتها، وتعدد ولاءاتها. صحافياً، أتيح لي أن أشهد الكثير، ويمكنني القول إنني «شاهد شاف، وسمع» الكثير مما يجرح، ويُحزِن، بل ويؤلم، من أفعال قياديين أبطال على المسرح الفلسطيني لم يكونوا في مستوى حُلم- ناهيك من حُسن الظن- شعبهم بهم.
لكن، ماذا عن الوقت الراهن؟ ليس من جديد. تغير المشهد وبقيت الحيرة. ها هو منصور عباس، وهو رئيس «الحركة الإسلامية- الشق الجنوبي»، يقبل أن يتولى وظيفة نائب وزير في مكتب نفتالي بينيت، زعيم تكتل «يمينا»، اليميني المتطرف، ورئيس حكومة الائتلاف التي حلت محل نتنياهو، فيما يتولى وزارة التعاون الإقليمي، عيساوي فريج، العضو في حزب «ميريتس» اليساري، ويتسلم حمد عمار، المنتمي إلى حزب «يسرائيل بيتينو» اليميني أيضاً، والذي يتزعمه أفيغدور ليبرمان، المعروف كذلك بتطرفه، منصب وزير في وزارة المالية، إلى جانب ليبرمان نفسه. تلتقي كل تلك التناقضات لأجل صالح إسرائيل، فيما تفشل قيادات حركتي «حماس» و «فتح»، منذ أربعة عشر عاماً في التوصل إلى تصالح قائم على صفاء نيّات. تُرى، هل من مبرر كي يحار المرء، أحياناً، وربما معظم الأحيان، في فهم تناقضات المشهد الفلسطيني؟