قراؤنا من مستخدمي إنستجرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال حسابنا على إنستجرام
إضغط هنا للإشتراك

بعد أن انتهت عدة من الحروب الأهلية العربية بخسارات فادحة، مست البشر والجغرافيا، نجد أنفسنا اليوم أمام العديد من الأسئلة الفارقة التي تحتاج إلى تأمل. الثورات الوردية كما في تونس ومصر التي نتجت عنها آمال كبيرة في ثورات تغييرية حقيقية بطابعها الشعبي، لم تصل إلى منتهاها المأمول.

مصر لا تزال تعاني، بينما غرقت تونس في تفاصيل وضع اجتماعي معقد وانسداد سياسي.. لا أتحدث عن الثورات التي انتهت إلى حروب أهلية مدمرة. إذ بدل أن تتحول إلى دينامية داخلية تغييرية ولو على المدى المتوسط أو البعيد، خسرت مسالكها وتاهت في صراعات خطيرة.. ربما تكمن نسبياً قوة الثورات العربية، بالخصوص التونسية والمصرية، في كونها كانت ثورات صاعقة في سرعتها، فقد غيرت نظرة الغرب المتوقف على حافة المراهنة على الأنظمة المتهالكة والبائدة.. سرعتها وفرت لها حصانة من الانهيار الداخلي، وضاقت مجالات التدخل التي تعتبر مقتلاً حقيقياً لأي ثورة.

لا يحتاج الأمر إلى كبير دليل إذ يكفي النظر في وضعية الثورات اللاحقة لندرك أن فعل العفوية لم يعد هو من يحركها كما كان في البداية.. هناك بحث عميق، غربي تحديداً، لأنه المالك الرئيسي للقوة، لمصاحبة التحولات المتسارعة هنا وهناك، وعدم تركها لمسارها الطبيعي، والتدخل الإنساني لحماية المواطنين، يخفي غموضاً واضحاً ومخاطرة قد تفقد الثورة تاريخيتها وخصوصيتها وإبداعيتها الذاتية.

نعرف أن أي ثورة هي رهان على المستقبل وليس فقط اللحظة الراهنة، فالثورتان التونسية والمصرية أظهرتا في البداية صورة جديدة للبطولة، حيث لا قوة إلا القوة الشعبية في أرقى لحظات صفائها وإيثارها على الرغم من الدم والنار والخوف. يجب أن نقبل بمبدأ قاسٍ وهو أنه ليس بالضرورة أن يحالف حظ النجاح كل الثورات.. هناك البعض منها يبدأ تحت مختلف التأثيرات ولكن بنياته المتخلفة لا تسمح له بأن يكون في نفس مستوى الثورات الأخرى ويحتاج الأمر إلى زمن أطول، وانكسار ثورة لا يعني مطلقاً موتَها إذ يمكنها أن تستيقظ في أية لحظة من اللحظات، ولم يعد الغرب، الاستعماري الجديد تحديداً، مستعدّاً لأن يعيش مفاجآت أخرى قد تهز مصالحه الاستراتيجية، ولا يريد أن يظل على هوامش أي تحرك عربي يغير في البنيات الرثة، وهو المالك للمخابر العالية الدّقة التي تتحسس هذه التحركات حتى قبل حدوثها، فقد أخفق في تحسس بركاني تونس ومصر، مثلما فشل في تحسس تسونامي اليابان الذي بيَّن كم أن الأرض هشة، وأن مصائرنا على كف عفريت الطبيعة.