رغم ضراوة الحرب في أوكرانيا وتداعياتها الاقتصادية المثيرة للقلق على معظم الدول، فيبدو أن ثمة حالة من التكيف الدولي الاضطراري مع تلك التداعيات، مع استعداد لأسابيع أخرى من الحرب وربما لسنوات. خاصة أن هناك اتجاهاً قوياً تلتزم به الأطراف المناوئة لروسيا بقيادة الولايات المتحدة بعدم التورط المباشر في الأعمال القتالية ومحاصرة أسباب الانزلاق بوعي أو بغير وعي إلى حرب نووية ضروس. وبالقطع ثمة حكمة في هذا الموقف الذي يجنب العالم مصيراً بائساً بكل المقاييس. لكن الحكمة الأكبر، وهي الغائبة، تتمثل في وقف الحرب والسماح بتسوية سياسية متوازنة.
في جزء آخر من العالم، وتحديداً في شرق آسيا، تحدث مسؤولون غربيون منهم الرئيس الأميركي السابق ترمب عن توقعات بقرب قيام بكين بعملية عسكرية صينية لضم تايوان. من اليسير القول إن تلك التوقعات المُبالغ فيها هدفت بالأساس إلى تبرير ممارسة ضغوط أقوى على الصين للالتزام بمعاقبة موسكو. وحتى قبل حرب أوكرانيا اتجهت المواقف الأميركية إلى بلورة قدر أكبر من التحدي للصين، في ظاهره دعم لتايوان في الدفاع عن نفسها، وفي جوهره تحذير شديد للصين من مغبة أي عمل عسكري لضم تايوان. تتضمن المواقف الأميركية مسارات متعددة؛ منها ما هو رمزي مثل زيارة وفد مجلس الشيوخ إلى تايبيه، وإطلاق تصريحات نارية بحق الصين واحتمال زيارة رئيسة مجلس النواب نانسي بيلوسي إلى تايوان، ومنها ما هو آني مثل تزويد تايوان بأنظمة تسليح مضادة للصواريخ، وأخرى مضادة للحروب السيبرانية مع دعم القوات الجوية التايوانية، يصاحبها تصريحات علنية من قبل الرئيس بايدن ومسؤولين آخرين بالالتزام الأميركي الصارم بالدفاع عن تايوان. ومنها ما هو استراتيجي بعيد المدى تمثل في بناء تحالفات من دول تحيط بالصين، بهدف إعاقة التمدد الصيني في منطقة الإندوباسيفيك وبحر الصين الجنوبي، وأبرزها تحالف «إيكوس» مع بريطانيا وأستراليا، والحوار الأمني الرباعي مع اليابان والهند وأستراليا.
بالقطع تدرك الصين أن التحركات الأميركية ومن ورائها مواقف حلفائها في الجوار المباشر لها، تهدف إلى محاصرتها وإعاقة كل استراتيجياتها في بناء نفوذ اقتصادي عالمي وآخر عسكري في الإندوباسيفيك، كما تدرك أيضاً أن واشنطن تعمل على منع ضم الصين لتايوان سلماً أو حرباً، ومن هنا تتعدد تحذيرات بكين القوية بأن لا شيء سيمنعها من ضم تايوان سلماً، بصيغة: دولة واحدة ونظامان، والتي طبقت في حالة هونغ كونغ، أو عنفاً إن لزم الأمر، وهو ما أعلنه الرئيس الصيني شي جينبينغ بوضوح في مناسبات مختلفة.
كما ترسل بكين رسائل رمزية ذات نكهة عسكرية مفادها أن الجزيرة ليست بعيدة عن أياديها. وفي غضون العامين الماضيين، ومع استمرار رئاسة تساي إنغ ون من الحزب التقدمي الديمقراطي الحاكم في تايوان، مدتين متتاليتين، وهي من أنصار الاستقلال والسيادة التايوانية الكاملة، دأبت بكين على القيام بطلعات جوية في المنطقة المعروفة بتحديد الهوية لأغراض الدفاع الجوي والملاصقة مباشرة للمجال الجوي التايواني، وصلت إلى 196 توغلاً في العامين الأخيرين. وفي أحد التوغلات وصل عدد الطائرات الصينية إلى 39 طائرة ما بين مقاتلة وقاذفة واستطلاع وطائرة ذات قدرات نووية، كما أجرى جيش الشعب الصيني عدة مناورات في مناطق مختلفة قريبة من تايوان في بحر الصين الجنوبي وبحر الصين الشرقي.
في المقابل تحذر بكين مما تصفه استفزازاً قد يهدم أسس العلاقة مع واشنطن، وأبرزها مبدأ «صين واحدة» حسب المتفق عليه منذ عام 1979. كما أن الربط بين دعم تايوان رمزياً وتسليحياً، وبين معاقبة الصين لموقفها الحيادي الرسمي في الحرب الأوكرانية، يمثل ضغطاً وتهديداً مباشراً ولكنه مرفوض صينياً. وتثور شكوك لدى بكين بأن الولايات المتحدة، لا سيما صقور إدارة بايدن من الديمقراطيين والمدعومين من نظراء لهم في الحزب الجمهوري، يُعدون مفاجأة أكبر قد تصل إلى حد التخلي عن مبدأ «صين واحدة»، والاعتراف باستقلال تايوان، أو ترك الأمر غامضاً إلى حين، مع الأخذ في الاعتبار أن مجرد التخلي الرسمي عن مبدأ «صين واحدة» هو مقدمة موضوعية لاستقلال تايوان، وإذا ما حدث أمر كهذا فكيف ستتصرف الصين؟
المعلقون والرسميون الصينيون يرون أن التخلي عن مبدأ «صين واحدة» سيُعد تهديداً خطيراً للأمن القومي الصيني انطلاقاً من أن تايوان تاريخياً هي جزء أصيل من الأرض الصينية، وأن بلادهم مدعوة إلى منع هذا الأمر بأي ثمن، كما أنه سيوجه ضربة للمكانة الصينية ولحقوقها التاريخية غير القابلة للتنازل. التحرك العسكري الاستباقي الصيني يبدو قائماً في طريقة التفكير، في الآن نفسه تثور عدة محاذير تجعله صعباً للغاية، فالصين حريصة على سمعتها كدولة تتبع الأساليب السلمية في القضايا الإقليمية والعالمية على السواء، وحريصة على إفشال سياسات الحصار الأميركية الغربية ضدها، وتقييد احتمالات التورط في حرب مع الغرب، وتقييد الأسباب التي قد تلجأ إليها واشنطن وحلفاؤها لفرض عقوبات هائلة كتلك التي تم فرضها على روسيا.
من الناحية العملية فإن الواقع الجغرافي لتايوان كجزيرة يعيش عليها 23 مليون نسمة، وتبعد عن البر الصيني نحو 180 كم، وفي أقرب نقطة 130 كم، يمثل عائقاً طبيعياً للقيام بعملية غزو سريعة للجزيرة. فأي عمل عسكري سوف يتطلب حشداً كبيراً من سفن نقل المدرعات والجنود وهو ما يمكن ملاحظته بسهولة حين القيام به، وإلى حشد وتجهيز لعمليات جوية لشل الدفاعات الصاروخية التايوانية. وعملية الانتقال نفسها عبر الممر المائي الفاصل بين تايوان والبر الرئيسي لن تكون مُيسرة، فالممر ذاته تمر منه سفن تجارية يصعب تجنبها أو وقفها، فضلاً عل أن الأسطول الأميركي في المحيط الهادي يتحرك كثيراً بالقرب من تلك المنطقة البحرية، وفي مارس (آذار) الماضي مرت المدمرة الأميركية رالف جونسون في مضيق تايوان، كرسالة للصين بأنها لا تملك السيطرة الكاملة على ممر تايوان.
تأمل بعض هذه التفاصيل وليس كلها يدفع إلى الاستنتاج بأن العمل العسكري لضم تايوان هو عمل مُحمل بالكثير من المخاطر، فمن اليسير وبصواريخ أرض بحر محدودة يمكن لتايوان الحصول عليها من الغرب، ربما تُغرق عدة سفن حين عبورها الممر. وغرق الفرقاطة الروسية «موسكوفا» في البحر الأسود قبل عدة أيام ليس بعيداً عن الذاكرة. المخاطر ليست عسكرية وحسب، بل أيضاً اقتصادية وسياسية ومعنوية، كلها تدفع إلى التركيز على حل سلمي حتى لو بعد عقد من الزمن، تصاحبه تحذيرات للولايات المتحدة للتوقف عن المزيد من الاستفزازات السياسية والعسكرية، وهو أمر مشكوك فيه على الأقل إلى حين توافق بكين على معاقبة موسكو. وتلك بدورها دائرة مفرغة يبدو أنها سوف تستمر طويلاً.