قراؤنا من مستخدمي تلغرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال تطبيق تلغرام
إضغط هنا للإشتراك

رغم أن مكافحة ارتفاع أسعار المستهلكين تعد الهاجس الأكبر للبنوك المركزية للدول المتقدمة على وجه التحديد في أميركا والاتحاد الأوروبي إلا أن الأدوات التي تملكها هذه البنوك ليست كافية لكبح التضخم من خلال رفع أسعار الفائدة وكذلك تقليص حجم المعروض النقدي في أسواقهم فكما وصف جيروم باول رئيس البنك الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي المشهد بأنه سيستخدم كل الأدوات لمواجهة التضخم إلا أن هناك أسباباً خارج سيطرته كما قال في آخر تصريحاته قبل أيام واعترف بأنه كان يجب التحرك في وقت مبكر لكن تأخره جاء نتيجة عدم وضوح حجم مشكلة سلاسل الإمداد والأسباب التي رفعت أسعار السلع وكذلك حرصه على دعم تعافي الاقتصاد الأمريكي، فمشكلة التضخم حالياً متشعبة ومتعددة الأسباب وتتطلب جهوداً دولية على الصعيدين الاقتصادي والسياسي لكن هل السؤال ينحصر حالياً بأن المخاوف فقط من معالجة التضخم بأن يتباطأ نمو الاقتصاد العالمي أو يدخل بركود تضخمي.

في الحقيقة الجواب ليست هذه كل المخاوف أو التحديات فإذا كان التضخم أزمة حالياً قد تؤدي أدوات السياسة النقدية لكبحه وتراجعه قليلاً إلا أن هناك أسباباً لا بد من إزالتها حتى تكون المعالجة شاملة وتتمثَّل ليس فقط بحلول مشكلة سلاسل الإمداد التي أشبعت نقاشاً وطرحاً في الإعلام بكل دول العالم لكن الملفات السياسية تبدو اليوم هي أخطر ما يهدِّد الاقتصاد العالمي وأولها الحرب الروسية الأوكرانية التي ألهبت أسعار السلع من الطاقة والمعادن والسلع الغذائية وتهدِّد بتعرّض 50 مليون إنسان في الدول الفقيرة للمجاعة فالدول المصدرة للسلع الرئيسية كالحبوب والزيوت بدأ بعضها بوقف التصدير ولا يبدو أن هناك تراجعاً لهذه الدول عن قرارها مما رفع الأسعار منذ بداية العام بأكثر من 40 بالمائة لبعض هذه السلع وأصبحت الدول الفقيرة في وضع بائس حيال قدرتها على توفير ما تحتاجه من سلع غذائية فالأسعار مرتفعة وتفوق قدرتها على توفيرها بالإضافة إلى شح الكميات المعروضة بالسوق العالمي والتي سيتمكن من يملك المال من شرائها ولذلك تحرك البنك الدولي بتخصيص 30 مليار دولار للمساعدة في منع وقوع أزمة بالأمن الغذائي عالمياً لكن قد لا تكون الأموال وحدها كافية لمنع وقوع هذه الأزمة فغياب التعاون الدولي الذي ظهر بوقف تصدير بعض أكبر المنتجين لتلك السلع يعد أكبر العقبات في أمن إمدادات الغذاء خصوصاً أن الحرب الروسية الأوكرانية هي المسبب الأبرز لهذه الأزمة كون الدولتين من أكبر مصدري الحبوب فأوكرانيا توقفت صادراتها للعالم وهي من أكبر موردي الحبوب لدول عديدة نظير إنتاجها الضخم فهي تعد سلة غذاء رئيسية بالعالم فإذا ما استمرت هذه الحرب ومعها نقص إمدادات السلع الغذائية فإن استقرار الدول الفقيرة مهدد كما أن العقوبات على روسيا والتي تشمل الطاقة من بعض الدول كأميركا وبريطانيا وتشجيع دول الاتحاد الأوروبي على اتخاذ نفس الخطوات تساهم أيضاً بجموح التضخم لأنهم غير مستعدين لتقليص اعتمادهم على الغاز والنفط الروسي بوقت قصير وبذلك فإن التضخم سيبقى مرتفعاً حتى مع معالجات البنوك المركزية برفع أسعار الفائدة.

لكن المخاطر لا تقف عند هذا الحد فرفع أسعار الفائدة حتى لو وصل إلى 2 بالمائة قريباً إلا أنه لا يغري كثيرًا بالتحول الواسع نحو ربط توجه المتعاملين بالأسواق لربط أموالهم بودائع لأن فرق أسعار الفائدة مع نسبة التضخم تجعل فائدتهم بالسالب بنسبة لا تقل عن 6 بالمائة ولن يكون تراجع التضخم سريعاً لتصبح الودائع جاذبة أكثر ولذلك قد يكون التوجه للمعادن ومنها الذهب ولأسواق السلع وأسواق المال للدول المصدرة لها والمستفيدة من ارتفاع أسعارها هو التوجه الأبرز لتلك الأموال المنسحبة من الأسواق العالمية بالدول المتقدمة وهذا بدوره قد يشعل الأسعار أكثر أما التحدي الذي قد يصبح هو الأهم على الساحة في مرحلة قادمة لن تكون بالمدى القصير فهو ملف الديون بالعالم والذي وصل حجمه إلى 305 تريليونات دولار وقد ارتفع بالربع الأول من هذا العام بمقدار 3.3 تريليون دولا جلها كانت من زيادة الاقتراض في أميركا والصين فإذا استمر التضخم وتباطؤ نمو الاقتصاد العالمي ومع رفع أسعار الفائدة وزيادة تكاليف الديون فإن الدول الفقيرة قد تصبح عاجزة عن سداد ديونها مما ينذر بأزمة مالية عالمية جديدة خصوصاً إذا تعرضت منشآت القطاع الخاص باقتصادات كبرى أو ناشئة لتراجع في نشاطها وتحولت لمتعثرة في سداد ديونها مما يعني احتمال العودة لمربع الأزمة المالية العالمية لعام 2008 لكن من أسباب مختلفة.

الصورة القاتمة التي قد ترسمها مثل هذه الاحتمالات ما هي إلا تصورات لأحداث خلال الأعوام القادمة إذا لم توضع الحلول الحقيقية بحل للملفات السياسية وعلى رأسها الحرب الروسية الأوكرانية والتهدئة مع الصين من قبل أميركا وحلفائها في اتفاقية أوكوس الأمنية وكذلك التعاون الدولي من خلال المنظمات الدولية لوضع الحلول العاجلة لتعطّل سلاسل الإمداد وانسيابية التجارة الدولية والتفاهم مع أكبر الدول المنتجة للسلع الغذائية على إلغاء منع أو تعطيل تصدير سلع أساسية كالتي تهدِّد الأمن الغذائي العالمي.