الانحراف الفكري، والتشدد العقدي، والعنصرية العرقية والطائفية، والتزمت الديني والمذهبي، والتعصب للعائلية والقبيلة والمنطقة، والشذوذ الأخلاقي، مصطلحات تشير بمجملها للتطرف الذي يُعتبر المُسبب الأساس لتدمير وخراب المجتمعات، والطريق الرئيس المُؤدي لأشد أنواع الإرهاب وزعزعة أمن واستقرار الأوطان. التطرف والإرهاب، نتائج حتمية لعقود متتالية ومتعاقبة من العمل المنهجي المُنظم لقادة التطرف والإرهاب في مختلف ساحات العلم والدعوة والإرشاد، وعلى جميع المستويات الاجتماعية والدينية والثقافية، مُستغلين باحترافية عالية حالة الفراغ الكبيرة التي عاشها المجتمع، وحالة الغفلة التي تميزت بها المؤسسات التعليمية والدينية والثقافية، وحالة الإهمال العظيمة لأجيال المُستقبل الذين تُركوا ظُلماً ليتشربوا توجهات المتطرفين، وليتلقوا دعوات الإرهابيين. نعم، لقد كانت المُسببات كثيرة لتغلغل التطرف والإرهاب في المجتمع، ولقد كانت نتائجه السلبية عظيمة حيث أُزهقت بسببها أرواح بريئة، ودمرت بسببها منشآت مدنية، وتوقفت بسببها حركة المجتمع التحديثية والتطويرية والتنموية؛ إلا أن تلك المرحلة المُظلمة التي قادت للتطرف والإرهاب أعقبتها مرحلة جديدة تماماً عنوانها البناء والتنمية والتحديث والتطوير حيث حل فيها العمل والإِقدام مكان السكون والفراغ، والوعي والإدراك مكان الغفلة والتغافل، والجد والمُبادرة مكان الإهمال والكسل.

نعم، لقد بدأت مرحلة جديدة ومُشرقة في تاريخ الدولة والمجتمع، أعلنت عنها رؤية الوطن وتطلعات القيادة السياسية وطموحات أبناء المجتمع البنَّاءة حيث العودة للأصول الرئيسية التي جاءت بها الشريعة الإسلامية، والعودة لقيم الاعتدال والوسطية والتسامح التي عُرف بها أبناء المجتمع على مدى التاريخ. وبما أن الخروج من مرحلة الظلام والإنغلاق إلى مراحل البناء والحداثة وأنوار المستقبل المُشرق يتطلب قرارات حازمة، وجهوداً عظيمة، فقد تم اتخاذها وبذلها والعمل عليها بخطى ثابتة ووقت وجيز. نعم، لقد اتخذت الدولة قرارها، ووقف المجتمع مُسانداً ومؤيداً وداعماً ومتطلعاً للعيش بكرامة من غير أن يُفرض عليه أمر، وبحُرية من غير انحرافات فكرية، وبسمو أخلاق وأدب من غير تشكيك ووصاية. نعم، لقد اتخذت الدولة قرارها، ورسمت المؤسسات الرسمية خططها، لتبدأ رحلة محاربة التطرف الذي تغلغل في المجتمع على مدى عقود.

لقد بدأت رحلة محاربة التطرف بإعلان الحرب الشاملة على جميع المصادر والمراجع والمواقع المؤدية للتطرف والإرهاب، وعلى جميع العناصر، والأدوات، والقيادات المتطرفة والارهابية. فبعد أن كانت ساحات العلم والثقافة مواقع متاحة لنشر التطرف وتحرك المتطرفين، تبنت المؤسسات التعليمية استراتيجيات تمكنها من التخلص من مصادر ومراجع الفكر المتطرف، بالإضافة لإبعاد المُتطرفين ودعاة الإرهاب عن ساحات العلم والمعرفة. وبالرغم من أنها عملية معقدة وشاقة، إلا أن المؤسسات التعليمية تقدمت كثيراً في محاربة الانحرافات الفكرية والتطرف والمتطرفين. وبعد أن كانت ساحات الدعوة والإرشاد مخترقة من المُتطرفين لِنشر الفكر المُتطرف في المجتمع، ولتنشِئة الأجيال على الانحرافات الفكرية التي تقودهم للإرهاب والعنف، تبنَّت المؤسسات الدينية والدعوية والارشادية استراتيجيات تمكنها من محاربة الفكر المتطرف بحكمة وعقلانية بالرجوع للقيم والمبادئ الإسلامية الصحيحة الداعية للوسطية والاعتدال، وتقودها للتخلص من أصحاب الانحرافات الفكرية ودعاة الطروحات المتطرفة والارهابية. وبالرغم من أنها عملية طويلة وشاقة، إلا أن المؤسسات الدينية والدعوية تقدمت كثيراً في محاربة التطرف والإرهاب، وتعمل تدريجياً على استعادة مكانتها الطبيعية في التوجيه والدعوة والإرشاد بما يتماشى مع القيم والمبادئ الإسلامية الصحيحة الداعية للوسطية والاعتدال والتسامح. وبعد أن كانت الساحات الإعلامية والثقافية منابر متاحة لنشر وتسويق الفكر المتطرف، ولبث السلوكيات المُنحرفة، ولتحسين صورة الأعمال الإرهابية، تبنَّت الجهات الإعلامية والثقافية استراتيجيات محكمة لتحد وتمنع وتوقف المتطرفين والإرهابيين من نشر وبث سمومهم الفكرية المنحرفة في المجتمع. وعلى الرغم من أنها عملية معقدة وشاقة، إلا أن المؤسسات الإعلامية والثقافية تمكنت إلى حد كبير من تحجيم الفكر المتطرف، وفضح خطط المتطرفين، وتوعية الرأي العام بخطرهم وخطر فكرهم المُنحرف. وبالإضافة لهذه الأعمال العظيمة التي قامت بها المؤسسات الرسمية، أيضاً عملت المؤسسات القضائية والأمنية والاجتماعية، وغيرها من مؤسسات، على محاربة الفكر المتطرف، ومواجهة وتوقيف ومحاكمة المُتطرفين والإرهابيين، بالإضافة لتوعية الرأي العام بالمخاطر المُدمرة للتطرف والإرهاب. وكنتيجة طبيعية لهذه الجهود التكاملية والعظيمة، فإننا نستطيع القول بأن جميع هذه الجهود الجبَّارة في مُحاربة التطرف والإرهاب أعادت -إلى حد كبير- المجتمع للوسطية والاعتدال التي عُرفت عنه قبل أن يتم اختطافه من أصحاب الفكر المُتطرف قبل عدة عقود. وحيث إن هذه النتيجة قائمة وظاهرة للجميع، إلا أن التساؤل الذي يجب أن يُسأل هو: وماذا بعد محاربة التطرف؟!

نعم، إن محاربة التطرف عمل عظيم ويجب أن يتواصل حتى يستكمل أهدافه السَّامية، إلا أن العمل الأكثر أهمية بعد محاربة التطرف هو وجوب ملء الفراغ في الساحات الدينية والدعوية والإرشادية والتعليمية والثقافية والفكرية والإعلامية والاجتماعية -الذي خلفه إقصاء المتطرفين- بأصحاب الفكر المُعتدل والمُتزن، وبذوي الطروحات الوسطية والوطنية، وإلّا سيتم ملء ذلك الفراغ بعناصر مُعادية للدين والدولة والمجتمع في تكرار جديد لأخطاء التاريخ التي مَكَّنت المُتطرفين وأتت بالإرهابيين. وبما أن هناك الكثير من أبناء المجتمع ممن يتميزون بطروحاتهم الفكرية المتزنة والمعتدلة والوسطية، بالإضافة لتأهليهم العلمي والفكري، فإنهم قادرون -وبكفاءة وجدارة عالية جداً- على ملء ذلك الفراغ للمُساهمة في تنمية وتحديث وتطوير المجتمع بما يتماشى مع رؤية الوطن وطموحات المواطن وتطلعات القيادة السياسية.

وفي الختام من الأهمية القول بأن الذي يجب أن يُتنبه له هو أن محاربة التطرف الذي تغلغل في المؤسسات، وانتشر في أرجاء المجتمع على مدى أربعة عقود ماضية، يتطلب خُططاً استراتيجية دقيقة ومُحكمة، وموارد بشرية صادقة ووطنية ومؤهلة عِلمياً وفِكرياً، وإلا ستكون النتيجة عودة جديدة للتطرف، ولكن -هذه المرة- بأساليب مُبتكرة، وأشكال جذابة، ولغة أكثر إقناعاً وجاذبية. إنَّنا أمام مرحلة تاريخية حاسمة وحازمة للتغلب وهزيمة وتدمير ذلك الفكر المُتطرف ونزعه بذكاء من العقول والقلوب التي كَمُنَ فيها خلال العقود الماضية، إلا أنَّ هذه المرحلة تتطلب سياساتٍ وخططاً غير تقليدية.