قراؤنا من مستخدمي تلغرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال تطبيق تلغرام
إضغط هنا للإشتراك

في إحدى خطب الرئيس جو بايدن منذ وقت قريب، أعلن أن الولايات المتحدة، ملتزمة بالدفاع عن الديمقراطية في العالم، بالاشتراك مع حلفائها من الدول الديمقراطية، والخطاب يعبر عن عودة إلى عقيدة الأيديولوجية كمحرك للسياسة الخارجية، وهو ما كان عليه الحال في سنوات الصراع بين أمريكا والاتحاد السوفييتي، إلى أن حل محل الدافع الأيديولوجي، مبدأ المنفعة والمصالح المتبادلة، كمحرك للسياسة الخارجية للدولتين، وكان ذلك في الفترة الزمنية الأخيرة من عمر الاتحاد السوفييتي.

وفسر معهد بروكنجز خطاب بايدن بأنه يعني تركيزاً على إيجاد جبهة موحدة تجاه الصين وروسيا، يمشي في ركابها الاتحاد الأوروبي، في مقابل وصف أمريكا للصين وروسيا بالدول الاستبدادية، الخارجة على مفهوم الديمقراطية.

وفي مسعى لمعرفة موقف الرأي العام من هذا التوجه، قدم المعهد الأمريكي للدراسات الصينية دراسة أظهرت أن 80% من الأمريكيين جهلاء بمعرفة ما هي الأيديولوجية التي تحرك الصراع مع الصين.

بينما أعلن معهد بروكنجز دراسة بعنوان «تحيز أمريكا في نظرتها للديمقراطية في الصين»، وقالت إنها تستخدم وسائل مختلفة في هذا الاتجاه لتحقيق ثلاثة أهداف، تعطي الديمقراطية معاني مختلفة، وهي: إضعاف المؤسسات الديمقراطية التي تتحدى النفوذ الأمريكي في أقاليمها، والعمل على خلق مواقع نفوذ اقتصادية وعسكرية في هذه الدول. والهدف الثالث هو خلق جبهة مواجهة ضد المعارضين للسيطرة الغربية في هذه الدول.

وفي تحليل موضوعي لمؤرخين وأكاديميين، ومنهم بيل بلومن وإريك هانلي، ومورجان رينولدز، فإنهم اتفقوا على وجود مغالاة أمريكية في مطالبة دول أخرى باتباع نفس معاييرها للديمقراطية وحقوق الإنسان، من أجل الضغط على دول إقليمية لدوافع سياسية تخص القوى الكبرى.

نفس معنى ازدواجية المعايير في التحدث عن الديمقراطية، كشف عنه كتاب «الأيديولوجية في علاقات أمريكا الخارجية» لمؤلفيه كريستوفر نيكولاس، وديفيد مايلين، اللذين قالا إن الأيديولوجية هي التي تقود سياسة أمريكا الخارجية، بوسائل مرئية، وأخرى غير مرئية. وإن هذا الغطاء الأيديولوجي كان وراء أحداث كوارث في منطقة الشرق الأوسط.

ومن ناحيتها ذكرت مجلة فورين بوليسي، أن صعود الصين، وانتعاشها داخلياً، يقلق الذين يتحدثون في أمريكا عن الديمقراطية والقيم الليبرالية على المستوى العالمي، بينما تتعرض نفس القيم لأزمات في دول غربية، من ثم يجري الاهتمام بإبراز احتلال تلك القيم مقدمة استراتيجيتها في العالم.

واتصالاً بذلك تساءل تقرير لجامعة هارفارد: لماذا يتمسك زعماء الغرب دائماً بوصف الصين بأن سلوكها خاطئ؟

وقالت هارفارد إن هناك فجوة في معلومات الغرب عن الصين من ناحية التاريخ، والثقافة، والتقاليد، وهو ما يدفع الغرب لاستخلاص نتائج بناء على محدودية معرفتهم، بينما تقدم الصين رداً على الغرب، بالقول إن النمو الهائل الذي حققته قد تم في إطار نظام مستقر، وهناك تجارب في دول أخرى خلاف الصين أثبتت حتمية ارتباط النمو بالديمقراطية.

وأضافت إلى ذلك مجلة فورين افيرز، وجهة نظر تقول إنه من الخطأ بناء نظام عالمي يتمحور حول أمريكا.

لم يكن ذلك كله بعيداً عن النظر إلى النزاع العسكري مع روسيا حول أوكرانيا؛ حيث قالت صحيفة نيويورك تايمز إن هذا النزاع يعتبر معركة أوسع مدى من كونها حرباً عسكرية، فهي مواجهة بين الذين أعلنوا أنهم يدافعون عن الديمقراطية، وبين الطرف المتهم من الغرب بأنه يطبق قيماً استبدادية.

وعلى نفس الجانب يوجد اختلاف حتى بين محللين وخبراء سياسيين، حول ما تمثله روسيا من أخطار، فبينما يرى البعض أن روسيا تسعى لتقويض النظام العالمي الذي تقوده أمريكا، فإنهم يختلفون فيما بينهم حول طبيعة ومدى التحدي الذي تشكله روسيا لأمريكا، وإذا كان الحديث يتركز على معنى الديمقراطية فإن تجارب السنوات القليلة الماضية، أثبتت أن الديمقراطية في دول الغرب تعاني أزمة عاتية، ومع ذلك تظل أمريكا ودول الغرب تطرح الديمقراطية كهدف وغاية، وليست كوسيلة لبلوغ معاني إنسانية واجتماعية.

أياً كانت الخلافات بين الأنظمة وبعضها بعضاً، فليس معنى ذلك أن تكون دافعاً للصدام ولخلق الأزمات، ثم إن لكل دولة - في هذا العالم المتقلب – ظروفها التي تدفعها إلى نهج داخلي ترى أنه الأنسب لها، محققاً لشعبها النمو والازدهار والأمان. وتلك مسؤولية كل نظام حكم أمام شعبه، وهو الذي يحاسبه، قبولاً أو رفضاً. أما النهج الذي يقسم العالم على هذه الصورة، فإنه لا يقود إلى تعاون وتصالح في حل المشكلات، لكنه طريق يقود إلى الصراع الذي لا يعرف أحد مداه، والذي قد يصل إلى النزاع المسلح.