لم أتوقع أني سأكتب يوماً عن رحيل الملكة اليزابيث الثانية التي أحببت شخصيتها منذ كنت طفلة، فهي المرأة التي حافظت على إرث النظام الملكي الدستوري في بريطانيا، برغم كل التغيرات والضغوط التي مرت بها الدول الغربية، ولتكون بوابة قصر بكنغهام هي بوابة دخول وخروج رؤساء الحكومات البريطانية، ولتؤكد الراحلة بعد سبعة عقود من حكمها، أن النظام الملكي حافظ على النظام الديمقراطي، ولذلك استحقت تقدير واحترام العالم كافة.

تميزت الملكة اليزابيث الثانية منذ توليها العرش البريطاني عام 1952، بعلاقتها الوثيقة مع قادة الدول العربية، حيث قامت بنحو 14 زيارة رسمية الى المنطقة العربية، وأخص بالذكر زياراتها لدول الخليج، حيث زارت السعودية والبحرين والكويت والإمارات وسلطنة عمان، وأستذكر زيارتها لبلادي مملكة البحرين في نوفمبر 1979، حينها كنت في السادسة من عمري، وأتذكر جيدا هذا الحدث التاريخي وصور وفيديوهات استقبال الراحل الشيخ عيسى بن سلمان آل خليفة طيب الله ثراه لملكة بريطانيا آنذاك. وأستذكر أيضاً ظهور الملكة الراحلة بحجاب اثناء زيارتها مسجد الشيخ زايد الكبير في أبوظبي، علماً أنها زارت دولة الإمارات مرتين وكانت الزيارة الأولى عام 1979، بينما كانت الزيارة الثانية عام 2010.

أصدرت الملكة الراحلة قرار تعيين 15 من رؤساء وزراء بريطانيا، كان أحدهم ونستون تشرشل ومارجريت تاتشر وتوني بلير، وصولاً إلى آخر صورة رسمية لها، عندما عينت ليز تراس رئيسة للوزراء، فلم تكن الملكة تفرق بين الأحزاب، ولم تكن تلتفت لمدى قوة شخصية رئيس الحكومة، بل كان معيارها الوحيد هي سمعة بريطانيا واستقرار الحكم لضمان الأمن والاستقرار. ولم تتدخل في قرارات الحكومات بل التزمت بالدستور والأعراف المعمول بها. وبرغم صلاحياتها المحدودة إلا إنها كانت رمز بريطانيا ومرجعيتها الحكيمة، منذ أن كانت دولة عظمى إلى أن تراجع دورها وأصبحت دولة أوروبية، وصولاً إلى خروجها من الاتحاد الأوروبي بعد الاستفتاء الشعبي عام 2016.

جاء خبر وفاة الملكة اليزابيث الثانية في توقيت سيء لبريطانيا، التي ودعت حكومة بوريس جونسون منذ فترة قصيرة جداً، لتتسلم ليز تراس السلطة في توقيت تعاني منه بريطانيا من ركود اقتصادي وارتفاع نسبة التضخم إلى نحو 20%، بالإضافة إلى تداعيات الخروج من الاتحاد الأوروبي، وتداعيات الأزمة الأوكرانية السياسية والاقتصادية من ارتفاع لأسعار الطاقة والغذاء والمعيشة، كما ترك جونسون لخليفته «تراس» ملف مستقبل أسكتلندا الباحثة عن الاستقلال.

أتمنى أن تنعم بريطانيا بحالة من الاستقرار مع تولي الملك تشارلز الثالث العرش خلفاً لوالدته، وفي الوقت نفسه تتولى «ليز تراس» السلطة خلفاً للمستقيل جونسون. فبريطانيا تلعب دوراً كبيراً في الساحة الدولية، وتستطيع النهوض من أزماتها بكل قوة، وأستشهد هنا بخطاب الملك تشارلز للشعب البريطاني، حين قال عن والدته: إنها كانت «مصدر إلهام لي ولجميع أفراد العائلة وملكة خدمت شعوب العديد من الدول».
* كاتبة وإعلامية بحرينية