قراؤنا من مستخدمي إنستجرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال حسابنا على إنستجرام
إضغط هنا للإشتراك

تعبّر التشكيلات الاجتماعية باستمرار لحظة حركتها عن مكنوناتها، إذ تبثّ الدلالات المباشرة والرمزية، بكل ما تحملها من ميزات وأعراض فاقعة لأمراض مستعصية، ويكون التعبير جلياً حين تتاح المساحات للحركة والنشاط ضمن بيئة حرّة، الأصل بالإنسان فيها البراءة الأصلية. تحديات الحريّة والمسؤولية جعلت جمعاً من السيّاح يحرصون سنوياً على التمتع بالقارة الأوروبية بجمالها الباهر، وبمناخها الليبرالي الذي يتنفّسه هؤلاء من دون إدراك ماهيّته.

إنهم يشعرون بمناخٍ منعش، وحرّية كالهواء النقي، وقانون ضابط للكل، مع مؤسساتٍ حيّة، لكنهم يخافون من إدراك أن هذه المناخات نتاج جهود اجتماعية وفلسفية وقانونية نضجت على مدى أربعة قرونٍ بأوروبا، بعد تجارب الدم، من حروبٍ أهلية دينية طاحنة دامية... تلك كانت الحالة الطبيعية قبل أن تتفتّق عبقريات فلاسفتها عن الانتقال التدريجي لـ«الحالة المدنية».

إن القصص التي يتداولها الإعلام حول الفوضى والرّثاثة والدمامة في المنظر لبعض السيّاح العرب في تلك البلدان كثيرة، من انتهاك لحق الحيوان بذبحه، وحق الإنسان بإزعاجه، وحقوق الطبيعة من العدوان على الشجر والحجر، وكل تلك التصرّفات توضّح مستوى اضطراب العلاقة بين الإنسان ومحيطه، بل تعبّر بامتياز عن اضطراب في شبكة العلاقات بين الإنسان والمدنيّة والدولة.

فالمدنيّة هي مستوى تعاقدي ينضبط إيقاعه ضمن وعي الفرد بالعلاقات وحدودها وطبيعتها بين (الذات - المدينة - الدولة) وهذا التضابط الصارم في الدول الأوروبية أساسه المتين النجاح الاستثنائي في تحقيق صيغ «العقد الاجتماعي» ذلك المفهوم الساكن في كل تفاصيل الحياة ومساراتها، وهو المانع والحائل ضد إمكانيات التداخل والتضارب بين المؤسسات والمصالح، إذ يمنح المفهوم التعاقدي للمدينة حيويّتها، ذلك أنه أسلوب تأليف بين المختلفات، ومن مهامه الأساسية التأليف بين «الحريّة والحماية» بين الحقوق الفردية ومصالح المجتمع.

والحالة التعاقدية علاوة على تغييبها في الوعي العربي، فإنها مستعصية، ذلك أنها لا تتأسس إلا ضمن المجتمع بمفهومه العميق، وثمة فرق بين المجتمع المتكوّن والتجمّع الاعتباطي، كما أن الاعتياد على الرقابة السلطوية، والعيش ضمن مناخٍ يُجلد فيه الإنسان من شتى السلطات بما فيها سلطة المجتمع، يحوّل الحرية العادية الطبيعية الأصليّة المتاحة إلى موضوعٍ يغري على الانتهاك من الرعاع، فكل الحقوق لديهم مستباحة وكل البلدان يمكن انتقاص مدنيّتها بسبب الجهل المطلق بالمعنى التعاقدي الذي يسيّر تلك المجتمعات بكل فصوله وأبوابه وقرون تشكّله.
إن أي غياب للمعاني التعاقدية في أي مجتمع يؤدي بالضرورة إلى تضاعف السلطات الموازية.

إن الإجراء التعاقدي الذي يتمتّع به الفرد بالمجتمعات الحديثة له بعده القانوني؛ إذ يرتبط بتحقيق مستويات العدالة، والليبرالية كلها بمفهومها النهائي هي إجراء لتحديد وضبط مستويات الاختيار ضمن شبكة علاقات الفرد ومساحات التحرّك لا لغرضٍ عاطفي أو ديني أو آيديولوجي بل لموضوع يوازن بين مصلحة الفرد و«جسم المجتمع»، ومناخ الليبرالية الحر هو ميدان لتحقيق وتنمية قدرة الفرد على تحمّل مسؤوليته تجاه الأفراد الآخرين ليكون لجم النزعات الشريرة أو البريّة هدفاً مدنياً، لتصل المدنيّة بمستوى التعاقد إلى حدّ تقلّص ضرورة حضور علامات السلطة كالأجهزة الأمنية أو التداخلات الاجتماعية.

كل تلك الصيغ الحيوية تعيش تحدياً يومياً بغية الاستمرار في تشجيع وتأهيل المناخ الليبرالي الضامن لإيجاد حياة تسير من دون أن يخدش تعدد الاختيارات حق إنسان ومن دون غياب المساواة القانونية التي تجعل من المناخ الليبرالي بما يضمنه من حرية الفرد المطلقة ضمن القانون أكثر تحدياً من المناخ السلطوي. وربما أمكن القول ببساطة: إن المناخ الحرّ يدرّب على المسؤولية، والمناخ السلطوي يدرّب على الاستهتار بالحريّة وبالمسؤولية معاً، ويسبب القهر الاجتماعي حالة من الانفلات الشخصي والعدوان على القانون والاضطراب تجاه مفهوم الدولة والرعب من الوعي الذاتي بشبكة العلاقات المحيطة على مستوى المدنيّة والآخر والقانون والدولة.

توضح المآسي المعيشية في المنطقة على كل المستويات حال الفقر المفاهيمي تجاه الأسس التي تحرّك الواقع، ولعل الضياع المطلق والتيه التاريخي، والفوضى الثورية العربية أكبر دليل على غياب الرؤية التي نريدها لكي نعيش.
لا يمكن أن يؤسس أي مجتمع ضمن مناخٍ عصري طبيعي في ظلّ غياب الفهم القانوني والفكري لمستوى العلاقات بين كل الموجودات في المجتمع. إن الحالة التعاقدية عبارة عن موازنة للحقوق، إنها مسافة تعبّر عن سمو الفرد حين يلتزم بتعاقدٍ مدني يوازن بين الهبات والتنازلات.

وباستعادة المؤسس الرئيسي لهذا الفتح الإنساني المبين جان جاك روسو في «العقد الاجتماعي» نعثر على شرحٍ لا بد من فهمه وتمثّله حين يكتب: «الميثاق الاجتماعي، ينطلق من مجرد افتراض، لا من مرحلة تاريخية معينة، وهو أن البشر في وقتٍ ما أصبحوا غير قادرين على متابعة حياتهم في الحالة الطبيعية... إن كل من رفض طاعة الإرادة العامة يرغَم عليها من طرف الجسم بأكمله، وذلك لا يعني سوى أنه يجبَر على أن يكون حراً، لأن ذلك هو الشرط الذي يهبه كل مواطنٍ لنفسه لوطنٍ يضمن له أن يتخلّص من كل نوعٍ من التبعية الشخصية... إن الانتقال من الحالة الطبيعية إلى الحالة المدنية يُحدث في الإنسان تغيّراً بارزاً جداً يجعل العدالة تحلّ في تصرفه محلّ الغريزة، ويضفي عليه الطابع الأخلاقي الذي كان ينقصه سابقاً. وعلى الرغم من أنه بهذه الحالة يحرم نفسه من عددٍ من الفوائد التي يستمدها من الطبيعة فإنه يربح مقابلها فوائد أخرى أكبر، إذ تتمترس قواه، وتنمو وتتسع أفكاره، وتزداد عواطفه نبلاً، وترتفع روحه كلها إلى درجة من السمو».

المعنى التعاقدي يتضمن تنازلات، وذلك لظروف تعدد الخيارات وتوزع الرغبات وتنامي الحاجات... كل تلك الأمور هي المحتّمة لتطلع الإنسان للحالة المدنية ذات الطابع التعاقدي والذي تبدو فيه الذات والشخصية والفردانية مركزية، لكن ضمن طيفٍ لا يغيب، صورته المسؤولية، وجذوته القانون، ونتائج الإخلال به وبمعناه العقوبة الرادعة التي تخلّص مجموع الجسم من تلوّث بعضه ممثلاً بخطأ «الفرد»، والتأديب القانوني هو ما يعيد تأهيل «الشخصية».

من الصعب إخفاء تلك الممارسات الدميمة التي قام بها بعض السيّاح العرب من دون تجديد الوعي بالعلاقات، حين نتعلّم أن الوجود الاجتماعي والقانوني مصدره الحق وليس القوة، وأن الحرية هي ذروة السمو بتحمّل الفرد لأعباء الذات، حينها تكون الحريّة معدناً ثميناً تحرسه المسؤولية. حين نتعامل مع الليبرالية بوصفها حيوية مدنية دنيوية ندرك مستوى صقلها للفرد واختبارها للقانون.

إن رمزية ذبح «بطّة» سرقها سائح عربي من حديقة، هي ذاتها آلية الذبح الموجودة لدى «داعش» وسواها. هذا التلاقي غير الواعي أساس التعبير الصارخ لغياب الوجود المدني الذي يعدّ الحق قبل القوة، والحرية قبل السلطة، والمسؤولية القانونية بمناخٍ حرّ هي ذروة الإنسانية، مسافات لا يحتملها إلا البدء بتأسيس مفاهيم حيوية تطوّر التجمّع ليصل إلى مستوى المجتمع، وتعوّد الإنسان على معنى أن تكون حراً، وهي مسافات من الواضح أن استيعابها يحتاج إلى قرون.

روسو في كتابه «هواجس المتنزه المنفرد بنفسه» كتب: «إن الحرية شبيهة بتلك الأغذية القوية الدسمة، التي تصلح لتغذية البنيات القوية التي اعتادت تناولها، ولكنها ترهق الضعفاء النحاف الذين لا قِبل لهم بها ولا يقوون على احتمالها».