عندما كانت أميركا تتحرك وفق خطط استراتيجية، كانت نظرتها بعيدة المدى وتراعي المصلحة القومية الأميركية بالدرجة الأولى مثل ما حدث عندما أدركت أميركا في عهد فرانكلين روزفلت أهمية المملكة العربية السعودية للمصلحة الأميركية لعدد من العوامل مثل موقعها الجغرافي ومركزيتها في العالم الإسلامي وتأثيرها الإقليمي ولأهمية النفط لمستقبل العالم، فذهب برغم اعتلال صحته وقبل انتهاء الحرب العالمية الثانية في فبراير من العام ١٩٤٥ للقاء الملك عبدالعزيز على متن البارجة كوينسي وأبرم معه الاتفاق الشهير باسم اتفاق كوينسي Quincy Pact والذي خدم المصالح المشتركة وأسهم بشكل كبير في ترسيخ الكثير من المكاسب التي تحققت لأميركا بعد هذا الاتفاق وكذلك للسعودية والمنطقة بشكل عام ولا يكفي هذا المقال لسردها.

وكذلك بالنسبة لنظام بريتون وودز الذي أرسى دعائم النظام المالي العالمي والذي لم تكن المصلحة الامريكية الاستراتيجية (بعيدة المدى) خافية فيه والتي أعطت لأميركا أهم أدوات التأثير والنفوذ الناعمة والذكية وساهمت بتأسيس البنك الدولي وصندوق النقد ورسخت مكانة الدولار كعملة احتياطية عالمية أو عندما طرح فرانكلين روزفلت مشروعه المعروف باسم The New Deal الذي أنقذ أميركا من تدهور اقتصادي واجتماعي خطير أو قرار مشاركة أميركا في الحرب العالمية وكذلك المساهمة في تأسيس الأمم المتحدة وأيضا حلف الناتو، وهي كلها خطوات استراتيجية بعيدة المدى أعطت أميركا مكانتها العالمية وساعدتها على البقاء كل هذه المدة كقوى عظمى ومهيمنة على النظام العالمي.

إنما تغيرت مكانة وقوة وتأثير وسمعة أميركا عندما تحولت النظرة الأميركية الشمولية القائمة على الاستراتيجيات بعيدة المدى وفق المصلحة القومية الأميركية إلى سياسات (وليست استراتيجيات) آنية وقصيرة المدى أقصى طموحها يدور حول مكاسب حزبية محلية لا تعزز من المصلحة الأميركية القومية ولا بالضرورة ترتبط بها وإنما قد تتعارض معها ويراها من في الخارج تخبطات غير مفهومة لأنها لا تخدم المصلحة الأميركية بل تسحب من رصيدها ومكانتها الدولية والأمثلة على ذلك كثيرة سواء كانت في عهد بوش الابن أو الحقبة الأوبامية الكارثية وصولاً لإدارة بايدن وانسحابها الفوضوي من أفغانستان وتخبطاتها في ملفات الطاقة والسياسة الخارجية وعلاقاتها مع حلفائها ومع دول الخليج العربي ومع الهند وباكستان والأزمة الأوكرانية وأضرارها البالغة على حلفائها الأوروبيين وعلى الاستقرار الدولي.

فعندما تتحرك الدول وفق استراتيجية وطنية بعيدة المدى تحدد مصالحها القومية وتسعى لتحقيقها يسهل التفاهم معها والحصول على مكاسب مشتركة تعود بالخير على الدول وتعزز من الاستقرار العالمي، بعكس الدول التي لا تراعي بل لا تفرق بين الاستراتيجيات الوطنية الشاملة وبين السياسات والخطط والتكتيكات الوقتية التي قد تحقق مكاسب محدودة قصيرة المدى لكنها لا ترتبط بالضرورة بالمصلحة العليا للدولة وتتسم بالتخبط والتقلب وعدم الوضوح فلا يستطيع حلفاؤها فهمها ولا التفاهم معها ولا تستطيع ان تحقق مصالح قومية بعيدة المدى، وإن تزامن ذلك مع منافس أو عدو لديه استراتيجية وطنية متوسطة أو بعيدة المدى فيستطيع أن يراكم مكاسب في كل منعطف استراتيجي بينما تعتمد فيه أميركا على سياسات محلية غير مترابطة مع المصلحة العليا وقد تقود لتحولات كبيرة على النظام الدولي وتفقد أميركا هيمنتها الأحادية كقوى عظمى وحيدة.

لكن ما يهمنا سواء أدركت أميركا خطورة تحولها من الاعتماد على الاستراتيجيات الوطنية الشاملة (بعيدة المدى) إلى الاعتماد على سياسات وخطط (آنية وقصيرة المدى) أم لم تدرك ذلك، يجب علينا أن نكون مبادرين وأن تكون عندنا مراكزنا ومفكرونا الوطنيون الذين يساعدون دولنا على وضع الاستراتيجيات القادرة على التأثير وصنع المستقبل الذي نطمح له لا أن نعتمد كما تعتمد أميركا الحالية على خطط وسياسات لا ترتبط باستراتيجيات وطنية شاملة ولا تبنى على ردات الفعل أو سياسات خاطئة لأنها تعتمد على تصورات قاصرة أو غير واقعية للأوضاع الراهنة.

ملاحظة: دائمًا ما تعلن الإدارات الأميركية المتعاقبة عن استراتيجية الأمن الوطني او الاستراتيجية والعقيدة العسكرية ولكنها بعيدة عن المفهوم الاستراتيجي المتوسط الى بعيد المدى، فهي مرتبطة بمرحلة كل إدارة وتتكلم بخطوط عريضة عن خطواتها المقبلة كخطط وسياسات لا كاستراتيجيات حتى وإن سمّيت استراتيجية.