قراؤنا من مستخدمي إنستجرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال حسابنا على إنستجرام
إضغط هنا للإشتراك

إذا حصل مزيد من التوغل التركي في شمال سوريا، فلا ضامن لأن لا يكون عامل تعقيد إضافياً للأزمة السورية. قتلى ومشردون جدد سيضافون إلى لائحة طويلة من ضحايا الحرب التي مضى عليها أكثر من 11 عاماً، من دون أن تعرف طريقاً إلى الحل.

وبطبيعة الحال، فإن التلويح التركي الذي يوشك أن يصير واقعاً بين لحظة وأخرى، سيخلق واقعاً جديداً في عين العرب (كوباني) وتل رفعت ومنبج، ويمدد الشريط التركي من "الغرب إلى الشرق" على حد تعبير الرئيس رجل طيب أردوغان نفسه. وتعتبر تركيا أن التوغل حق لها بعد تفجير إسطنبول في 13 تشرين الثاني (نوفمبر) الماضي، الذي أسفر عن مقتل ستة مدنيين وجرح العشرات.

أميركا المعنية بالمنطقة التي سيشملها الاجتياح الجديد، لا ترى أن الحل يكمن في قضم مزيد من الأراضي التي تسيطر عليها "قوات سوريا الديموقراطية" (قسد) التي تشكل "وحدات حماية الشعب" الكردية عمودها الفقري. وهي تخشى أن يخلط الواقع العسكري الجديد الأوراق، فيضعف المقاتلون الأكراد الذين تعتبرهم الولايات المتحدة حليفها الرئيسي في سوريا ضد تنظيم "داعش".

ليس هذا فحسب، بل إن واشنطن تعتبر "قسد" رأس حربة في ممارسة الضغوط على دمشق، ويهمها ألا يضعف هذا التنظيم الذي تستثمر فيه أميركا منذ سنوات، لأنها تعتقد أن ذلك قد يصب في مصلحة الحكومة السورية وروسيا وإيران، وهذا ما لا تريد حصوله بأي شكل من الأشكال.

عامل آخر تخشى واشنطن أن تتسبب به العملية العسكرية التركية، ألا وهو تشتيت الانتباه عن الحرب الروسية-الأوكرانية. واشتعال الشمال السوري سيضطر إدارة الرئيس جو بايدن إلى توجيه جزء من جهودها إلى الشرق الأوسط، بينما هي تسخر جلّ إمكاناتها العسكرية والدبلوماسية للجبهة الأوكرانية ومن بعدها لمراقبة التحركات الصينية في المحيطين الهادئ والهندي.

وأصدر البيت الأبيض ووزارة الخارجية أكثر من تحذير من التداعيات التي ستترتب على العملية العسكرية التركية الوشيكة. وتقبل المسؤولون الأميركيون على مضض سقوط قذائف تركية الأسبوع الماضي قرب قاعدة مشتركة للقوات الأميركية و"قسد" في محافظة الحسكة.

وعين أميركا أيضاً على مخيم الهول الذي يؤوي عشرات الآلاف من معتقلي "داعش" وعائلاتهم، والذي بالكاد تستطيع "قسد" تأمين الحماية له ومنع الموجودين داخله من الفرار، وإعادة تشكيل خلايا للتنظيم الجهادي في سوريا والعراق. وهذا تطور ستجد واشنطن نفسها حياله مرغمة على إرسال مزيد من القوات إلى سوريا ليضافوا إلى 900 جندي منتشرين هناك أصلاً، وقد تلقى مثل هذه الخطوة معارضة في الداخل الأميركي.

إلى كل هذه العناصر، يحاول بايدن أن يتلافى مسألة أخرى، وهي الظهور بمظهر من يتخلى عن حلفائه الأكراد لمصلحة تركيا، الدولة العضو في حلف شمال الأطلسي، والتي تعتبر من الناحية الإستراتيجية حليفاً لا يقدر بثمن بالنسبة لواشنطن منذ عشرات السنين، خصوصاً في هذه المرحلة من الصراع مع روسيا والصين.

ويجهد بايدن كي لا يجد نفسه في وضع يجبر فيه على الاختيار بين تركيا والمقاتلين الأكراد. وأي انحياز أميركي لهذا الطرف أو ذاك، سينعكس سلباً على الولايات المتحدة.

الاستياء التركي قد يدفع بأردوغان أكثر إلى الارتماء أكثر في الحضن الروسي. كما أن خيبة أمل كردية جديدة، قد تجعل الأكراد يقتنعون بأن القبول بالنصيحة الروسية والمصالحة مع دمشق، هي أجدى لهم في المستقبل.

وسط هذا الوضع المتشابك والمعقد، يهم أميركا أن يعدل أردوغان عن قرار الاجتياح أو أن يكتفي بعملية برية محدودة لا تحدث فارقاً كبيراً في المعادلات العسكرية القائمة حالياً في الشمال السوري، ولا تؤدي إلى زيادة حالة عدم الاستقرار.