مع مضي عقدين على الغزو الأمريكي للعراق، الذي وصفته عديد من الكتابات الأمريكية بـ«المأساة» التي ألحقت خسائر فادحة بالولايات المتحدة وخسائر أكبر بالعراق، لايزال هناك جدل داخل الأوساط السياسية الأمريكية حول الأسباب الرئيسية لتلك الحرب التي كلفت مئات آلاف الضحايا، وأوقعت الشرق الأوسط في حالة من الفوضى، بنيت على أكاذيب.

وعن هذا الجدل كتب الباحث في الشؤون الأمريكية عمر عبدالمعطي، أن بعض التحليلات الأمريكية ترى أن الغزو الأمريكي للعراق كان مدفوعًا من قبل لوبي قوي مؤيد لإسرائيل داخل الولايات المتحدة، وأفكار المحافظين الجدد بتيارهم الديني والسياسي، وأن إدارة بوش الابن شنت تلك الحرب بسبب تعطشها للنفط أو بدافع «تصدير الديمقراطية» لمنطقة الشرق الأوسط ومناطق أخرى، ومنع التنظيمات الإرهابية، ولاسيما تنظيم القاعدة، من الحصول على أسلحة الدمار الشامل من العراق، حيث كان عديد من مسؤولي إدارة بوش الابن وحلفائها وخبراء الحد من أسلحة الدمار الشامل يزعمون أن العراق لا يزال لدية برامج سرية لأسلحة الدمار الشامل وأنه على صلة بتنظيم القاعدة، وهما افتراضان لم تثبت صحتهما بعد عقدين من الحرب الأميركية على العراق. وقد استدعت كتابات تصريح الرئيس الأمريكي الأسبق باراك أوباما بينما كان يمثل ولاية إلينوي في مجلس الشيوخ بأن «الحرب كانت محاولة من إدارة بوش الابن لإلهاء الأمريكيين عن مشكلات اقتصادية وفضائح الشركات». وكذلك إلقاء الرئيس السابق دونالد ترامب باللوم في الحرب على شركات المقاولات الدفاعية والجنرالات المتلهفين للمغامرات العسكرية في الشرق الأوسط. وقد خلص ملفين ليفلر -أحد المؤرخين الدبلوماسيين الأمريكيين إنجازا، في كتابه المهم المعنون بـ«مواجهة صدام حسبن: جورج دبليو بوش وغزو العراق»، الذي صدر في فبراير 2023، والذي اعتمد فيه على مصادر أرشيفية بريطانية وأمريكية وعديد من المقابلات مع المسؤولين الأمريكيين - إلى أن مأساة العراق - كما يطلق عليها - لا يمكن تفسيرها بنظريات المؤمرة أو الزعم سوء النية، ولكن كلا من القرار غير الحكيم بغزو العراق والافتقار للتخطيط لما بعده نتجا عن مزيج من الخوف والقوة والغطرسة الأميركية، حيث الخوف من أن الولايات المتحدة لم تكن قادرة على تجاهل الأخطار المحتدمة بعد الحادي من سبتمبر. رغم هذا الجدل، فإن هناك إجماعا بين الحزبين الجمهوري والديموقراطي على أن حرب العراق كانت خطأ فادحا لكونها نفذت على فرضيات خاطئة، وإجماعا آخر داخل الكتابات الأميركية بأنها لم تكن حرب «ضرورة» لتحدي العراق المصالح الإستراتيجية للولايات المتحدة، ولكنها كانت حربا «اختيارية» انخرطت فيها إدارة بوش الابن بمحض إرادتها، بينما كانت مصالحها الإستراتيجية في المنطقة وأمنها القومي غير معرض للخطر والتهديد بما يفرض استخدام التدخل العسكري. لم تنجز المهمة العسكرية الأميركية في تحويل العراق إلى «رمح التغيير» في منطقة الشرق الأوسط، ولكنها حولته إلى ساحة للحرب الأهلية، وملاذ آمن للتنظيمات الإرهابية، وساحة لنفوذ إيران انطلقت منه لتعزيز نفوذها في الشرق الأوسط.

وفي مقابل ذلك، أدت إخفاقات الولايات المتحدة خلال عقدين من حرب مكلفة ماليا وبشريا للإضرار بسمعة الولايات؛ وذلك بسبب سوء التخطيط، وعدم القدرة على التعامل مع فراغ السلطة بعد سقوط النظام الدكتاتوري الاستبدادي لصدام حسين، وحل الجيش العراقي بطريقة غير حكيمة، إلى جانب عديد من الإخفاقات التي أنتجت حالة من الفوضى تجاوزت حدود العراق إلى منطقة الشرق الأوسط بشكل عام، على نحو بدا جليًا في منتصف عام 2014 عندما بدا نشاط تنظيم «داعش» يتصاعد في داخل العراق وخارجها. وكان لتداعيات تلك الحرب دور في تنامي التيار الانعزالي بين السياسيين الأمريكيين الرافضين لمزيد من الانخراط الأمريكي في الشؤون الدولية، وهو ما هيأ المناخ أمام صعود دونالد ترامب ورفعه شعار «أمريكا أولاً»، الذي لقى ترحيبًا من قاعدة انتخابية عريضة ترفض التدخلات العسكرية الأمريكية خارجيا التي تثقل كاهل دافعي الضرائب الأمريكي، وتدفع لاستثمار أموالهم في عمليات عسكرية خارجية بينما يواجه الداخل الأمريكي العديد من الأزمات على كل الأصعدة، وكذلك تصاعد تيار شعبي رافض للمؤسسة الأمريكية وداعميها بين نسبة كبيرة من الناخبين الأمريكيين. وبعد أن أصبح العراق غير محكوم برئيس مناهض للولايات المتحدة، فإنه أصبح بعد عقدين من الحرب محكومًا بمجموعة من القوى السياسية المتناحرة والضامنة النفوذ الإيراني، والداعية لانسحاب القوات الأمريكية من العراق. ولم تزد الحرب من حدة الطائفية في العراق فقط، ولكن في كل أنحاء منطقة الشرق الأوسط. وبدلاً من أن تقضي الحرب على الإرهاب، فإنها حولت العراق لملاذ للتنظيمات الإرهابية.

يقول سكوت ريتر، الذي شغل منصب كبير مفتشي الأسلحة التابعين للأمم المتحدة في البلاد من عام 1991 إلى 1998، إن الرئيس الحالي جو بايدن في 2003 قاد الحملة لدفع الغزو الأميركي للعراق، لأن وفي الفترة التي سبقت الحرب، استغل بايدن، السناتور آنذاك، منصبه كرئيس للجنة العلاقات الخارجية المؤثرة في مجلس الشيوخ للمساعدة في بيع خطط إدارة جورج دبليو بوش للجمهور الأمريكي المتشكك. وألقى خطابًا ونظم استماع في مجلس الشيوخ روجت لمزاعم الإدارة الكاذبة حول برنامج أسلحة الدمار الشامل للعراق. في أكتوبر 2002، قاد بايدن قرارًا مشتركًا أعطى بوش سلطات واسعة لاستخدام القوة العسكرية ضد العراق. وقال ريتر: «جو بايدن هو أحد الأسباب الرئيسية لشن الولايات المتحدة الحرب في العراق». في حين أوضح مفتش الأمم المتحدة السابق كيف خلقت الحكومة الأمريكية ذريعة زائفة للحرب، وسعت إلى ترهيب المعارضين لإسكاتهم، ولماذا فشلت واشنطن في تعلم أي شيء من كارثتها المكلفة. بعد عشرين عامًا من غزو العراق، لا يرى ريتر دليلاً على أن مؤسسة السياسة الخارجية الأمريكية قد تعلمت من أخطائها. وواضح أن صانعي السياسة الأمريكية ليس لديهم أي حافز على الإطلاق لتبنّي الواقعية وضبط النفس لأن معظم المانحين السياسيين الرئيسيين يدعمون التدخل العسكري في الخارج.

ومن المفارقات أن بعد ست سنوات من تقديم مدير اللجنة الخاصة للأمم المتحدة السويدي رولف ايكيوس، تقريره النهائي إلى مجلس الأمن الدولي، عاد الشخص نفسه وكشف «المؤامرة» الأمريكية، في كتاب جديد نشره تحت عنوان «العراق منزوع السلاح: القصة وراء خطة إسقاط صدام»، وفقًا لما ذكرته روسيا اليوم. نشرت مجلة «Responsible Statecraft» الإلكترونية، التابعة لمعهد كونسي للدراسات، مقالا للكاتب مارك جونيينت ناقش فيه كتاب إيكيوس، وأوضح ما ارتكبته إدارة بوش باصرارها على الحرب التي كان بإمكانها أن تجنب العالم ويلاتها. وأشار التقرير إلى أن إيكيوس كان على وشك مغادرة منصبه كمدير للأمم المتحدة «يونيسكوم» التي تم تشكيلها في العام 1991 للإشراف على عملية إزالة برنامج أسلحة الدمار الشامل في العراق، حيث أشار في تقريرة إلى أنه «ليس هناك الكثير من الأشياء المعروفة عن قدرات الأسلحة المحظورة التي يحتفظ بها العراق». وفي كتابه الجديد يجدد إيكيوس تكرار قناعاته أنه بحلول ذلك الوقت أي في العام 1997، الذي ترك منصبه كمدير لـ«يونيسكوم»، كان هناك دليل كبير على أن الوضع كان تحت السيطرة بدرجة كبيرة. وذكر الكتاب أن جورج دبليو بوش وتوني بلير بررا غزوهم للعراق بأنه يمتلك أسلحة دمار شامل جعلته يشكل خطرا على العالم. في حين كشفت وثائق بريطانية أن لندن كانت واثقة من عدم صحة مزاعم امتلاك العراق أي قدرة على الحصول على أسلحة دمار شامل أو صواريخ بعيدة المدى، قبل الغزو بعامين. الخلاصة بإختصار، على الرغم من مرور عشرين عاما على الغزو، إلا أن جرائم الحرب التي ارتكبتها الولايات المتحدة وحلفاؤها والتي لم تتم المعاقبة عليها، ما تزال حاضرة في ذاكرة العراقيين. وإذا كان الغزو أسفر عن تقسيم المجتمع العراقي إلى مكونات عرقية وطائفية، فإن هذه الحرب فشلت في تحقيق أهدافها المعلنة بما فيها إرساء أسس الديموقراطية.