محمد ناصر العطوان

في زاوية المدينة العتيقة، تجلس امرأتان تحت ساعة لا تتحرك عقاربها منذ أن كانت الحياة بسيطة.

الأولى، تحمل في يديها خيوطاً من شعرها الأبيض لترقع حذاء ابنتها الممزق.

الثانية، تحمل في حقيبتها إبر التخسيس، ومرايا مُذهبة لتراقب أثر عمليات التجميل على وجهها وتقارن وجوه بناتها كي لا يتجاوزن جمالها، وقائمة بالدول التي ترغب في السفر إليها وحدها أو مع صديقتها الأقل جمالاً.

الأم الأولى، كلما أضاء الفجر، تخرج من بابها الخشبي كالنملة الحاملة للقمح.

يداها المتشققتان تطبخان الحنطة على نار باردة، وعيناها تقرآن كتب المدارس قبل أن يستيقظ الأطفال.

كلما سقط ولد منها، تلتقطه كقطعة فسيفساء وتضعه في مكانه المناسب.

حين تسألها الجارات والكنات والسلفات: «لم لا ترتاحين وتتركينهم مع الخدم؟»، تجيب وهي تنظر إلى سحابة تمر:

«الجنة تحت قدميَّ... ألا ترين أنها تنزل كل يوم مع دعائهم؟!».

الأم الثانية، كلما أظلم الليل، تخرج من مرآتها الذهبية كالظل الجائع.

ترش على وجهها رائحة شباب مزيف، وتحلق باجنحة حكاياتها المنسية حول أطفالها، وتنغمس في هاتفها.

كلما رأت ابنها يتفوق، تضع في طريقه أسئلة مسمومة: «هل تعتقد أنك أذكى مني؟».

حين تسألها صديقاتها: «لم تخشين نجومهم؟»

تجيب وهي ترتب بطاقات حسابها البنكي:

«ينبغي أن أحب نفسي أكثر من أي شيء... ألم تسمعي صرير أضلاعي كلما نُطق اسمي؟».

وفي لحظة التقاء ذات يوم، تعثرت الأم الأولى والثانية في الشارع نفسه.

ابنة الأولى رفعتها بحنان: «لا تقلقي يا أمي، أنا هنا».

ابنة الثانية داست على ظلها: «انتبهي! لا تقتربي مني انت وشيبك».

الأم الأولى، ماتت وفي جيبها قصاصة ورق كتب عليها: «اغفروا لي إن قصرت».

ومزق الأطفال الورقة إلى ألف قطعة، كل منهم يحمل قطعة كتب عليها: «الجنة كانت هنا».

الأم الثانية، ماتت وحولها صور على الفيس بوك والإنستغرام تظهرها أصغر من بناتها.

ووضع الأطفال جسدها في التراب، ثم رموا المرايا في البئر، لكي لا يروا وجهها يطلب منهم أن يعيشوا مكانها، وراجعوا كلهم العيادات النفسية لطلب استشارات وهمية!