تدخل حكومة كير ستارمر العمالية 2026 وهي تعاني من أزمة ثقة مع الرأي العام البريطاني، أزمة أخطر من أي تعثر مرحلي يعكسه هبوط نسب التأييد. فالثقة، حين تتآكل، لا تُستعاد عبر مؤتمرات صحافية أو خطابات مطمئنة. استطلاعات الرأي مع نهاية 2025 أظهرت تراجع «العمال» إلى مستويات غير مسبوقة، إذ لم يقتصر الأمر على تقدّم حزب «الإصلاح» عليهم، بل تراجع «العمال» وراء «المحافظين» في بعض الاستطلاعات. وهو تطور لم يكن متصوراً قبل أشهر قليلة.
السؤال الذي طُرح همساً في وستمنستر، ثم علناً في الصحافة، هو عمّا إذا كان ستارمر ووزيرة ماليته ريتشيل ريفز سيبقيان في «داونينغ ستريت» حتى نهاية العام، أم يقرر الحزب تغيير القيادة قبل ذلك؟ السؤال لم يعد تحليلاً، بل جزء من النقاش الداخلي في الحزب الحاكم.
الأسباب ليست آيديولوجية بقدر ما هي عملية. الاقتصاد هو الجرح المفتوح. ورغم أن معدلات التضخم تراجعت نسبياً، فإن مستوى المعيشة تراجع. الدخول الحقيقية (بعد الاستقطاعات، وحساب معدلات التضخم) للطبقة الوسطى انخفضت (10 في المائة منذ انتخاب العمال) بشكل ملموس، فيما ازدادت الضغوط على الفئات الأفقر (تراجعت 3.5 في المائة في الفترة نفسها). حكومة جاءت إلى السلطة واعدةً بالاستقرار والكفاءة، فشلت في طمأنة الناس بأن الغد سيكون أفضل من اليوم. الإحساس العام هو أن العبء يُوزَّع على من لا يحتمل، فيما تدار الأزمة بلغة تقنية باردة لا تُقنع أحداً.
ملف الهجرة زاد الطين بلة. حكومة «العمال» تعهدت باستعادة السيطرة، لكن وصل إلى بريطانيا 45744 شخصاً بالقوارب في 2025 (مقارنةً بـ36816 في 2024). الفارق بين الهجرة الشرعية وغير الشرعية تلاشى في ذهن الناخب، ليحل محله شعور عام بالعجز الإداري والتردد السياسي. الإعلانات عن حلول تتكاثر، والخطط تُراجع، لكن النتائج على الأرض تسير في الاتجاه المعاكس.
ما يجعل هذا العام أخطر على الحكومة ليس هجوم المعارضة، بل النقد الآتي من الداخل. بول أوفندين، رئيس موظفي إدارة ستارمر الذي استقال في سبتمبر (أيلول) الماضي، كتب مقالاً في «التايمز» أول من أمس، عدّد فيه القيود التي تشل قدرة الحكومة على اتخاذ قرارات حاسمة. حكومة محاصرة بشبكة من جماعات الضغط والمنظمات غير الحكومية والهيئات شبه المستقلة، إلى درجة باتت فيها عاجزة عن الفعل، في قوله، حتى عندما تدرك ما ينبغي فعله.
خلاصة مقال أوفندين، بصيغة هادئة، أن الحكومة خلطت بين التشاور والقيادة، وبين المشاركة واتخاذ القرار. المسؤولية موزعة على عدد كبير من الأطراف، وبالتالي لا يتحملها أحد. هذا النقد المؤلم، صادر عن شخص كان في قلب السلطة وليس من المعارضة.
وليس من الصعب العثور على صدى تاريخي لهذا المشهد. في سنوات توني بلير الأولى، شهدت بريطانيا ما عُرفت بحكومة «الأريكة»، حيث جرى تهميش مجلس الوزراء لصالح دائرة ضيقة من المستشارين. في تلك المرحلة أيضاً توسعت الهيئات المستقلة كالتي ذكرها أوفندين، ونُقلت صلاحيات القرار بعيداً عن الرقابة البرلمانية المباشرة، وأُعيد ترتيب الأعراف الدستورية بشكل غير معلن. الفارق أن بلير كان يمتلك زخماً سياسياً وقدرة على الحسم، بينما يبدو ستارمر كأنه ورث الأدوات بلا قدرة الحسم البليرية.
اليوم، استُبدلت سخرية «الأريكة» بوصفها مركز القرار بـ«المطبخ السياسي» المغلق، تُحيط به طبقات من الهيئات واللجان والاستشارات. حكومة تبدو قوية في التنظيم، ضعيفة في القرار تتهرب من المحاسبة (راجع عدد الأسبوع الماضي) -وهذا ما يشعر به المواطن.
داخل حزب «العمال» هناك من يهمس بأن المهلة الحاسمة ستكون في مايو (أيار) هذا العام، مع الانتخابات المحلية والبرلمانية في اسكوتلندا وويلز. إذا جاءت النتائج ترجمةً لاستطلاعات الرأي الحالية، فسيبدأ البحث الجدي عن تغيير في القيادة. والتاريخ الحزبي البريطاني لا يرحم القادة حين تتحول الخسارة من احتمال إلى اتجاه ثابت.
المشكلة تكمن في غياب الجرأة السياسية؛ فالحكومات لا تُحاسَب على عدد المشاورات التي أجرتها، بل على القرارات التي اتخذتها والنتائج التي حققتها. وبينما تنشغل الحكومة بإدارة التوازنات داخل شبكتها من الهيئات والجماعات، يزداد شعور الشارع بأن الحكومة تطلق شعارات التنظيم، وتغيب لحظة الحسم.
السؤال الحقيقي في 2026 ليس عمَّا إذا كانت حكومة العمال تتعثر، فذلك بات واضحاً، بل مَن الذي سيدفع ثمن التعثر. والأحزاب حين تشعر بالخطر لا تكتفي بالتضحية بشخص واحد. فعند الذعر السياسي، يُرمى القبطان والملاح مرشد السفينة معاً للأمواج، على أمل أن يصدق الناخب أن المشكلة كانت في الوجوه لا في الاتجاه.
















التعليقات