صيغة الشمري
أضاءت الرياض ساحة الاقتصاد العالمي باستضافة النسخة الخامسة من مؤتمر التعدين الدولي 2026 تحت رعاية خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز آل سعود -حفظه الله- بمشاركة واسعة من أكثر من 100 دولة ومتحدثين من صنَّاع القرار والخبراء العالميين.
هذا الحدث المهم يأتي في وقته تماماً، فمن الصعب اليوم الحديث عن أي إستراتيجية اقتصادية طموحة في السعودية دون الإشارة إلى تحول قطاع التعدين من مجرد رافد تقليدي إلى ركيزة أساسية في رؤية 2030 للتنمية المستدامة وتنويع الاقتصاد.
وأعتقد أن المؤتمر لم يكن مجرد منصة لتبادل الآراء فحسب، إنما حدثاً مهماً لعقد شراكات تجارية واستثمارية فعلية، حيث تم الإعلان عن توقيع ما يزيد على 130 اتفاقية ومذكرة تفاهم بقيمة نحو 100 مليار ريال، تشمل مجالات الاستكشاف والتعدين والتمويل والبحث والتطوير وسلاسل القيمة، ما يضيف قيمة كبيرة للحدث العالمي.
وإذا نظرنا للاهتمام الدولي بالمؤتمر نجده لم يأت من فراغ، من واقع أن الحدث أظهر أن السعودية ليست فقط مستهلكة أو سوقاً صاعدة، بل وضعها كلاعب محوري في سوق المعادن العالمية، مع استثمارات ضخمة في تكنولوجيا الاستكشاف والمعالجة وتحفيز الابتكار، وهو ما كشفته فعاليات المؤتمر التي شهدت حضوراً مكثفاً للشركات المتخصصة في تقنيات التعدين الرقمي والاستدامة، ما يعكس الاندماج بين الأهداف الاقتصادية والإستراتيجيات البيئية الحديثة.
من منظور اقتصادي، أرى أن التركيز على توطين عمليات المعالجة والتصنيع للمعادن في المملكة يمثِّل إستراتيجية طويلة الأمد لتعظيم القيمة المحلية وتقليل الاعتماد على الواردات وخلق فرص عمل ذات مهارات عالية، بدليل الاتفاقيات الموقعة. ومع ذلك، يبقى التحدي الأكبر هو كيفية تحويل هذه الاتفاقيات الطموحة إلى مشاريع حقيقية على الأرض، تستطيع خلق تأثير اقتصادي ملموس ومستدام، وإذا نجحت المملكة في ذلك، فإنها لن تكتب فقط قصة نجاح قطاع التعدين، بل ستؤكد أنها قادرة على إعادة تشكيل موقعها في الاقتصاد العالمي من خلال تنمية مواردها الطبيعية ودمجها في سلاسل القيمة العالمية.
ومن زاوية أخرى، يبدو لي أن مؤتمر التعدين جاء ليطرح سؤالاً جوهرياً حول مسؤولية التنمية في عصر تتصاعد فيه المخاوف البيئية وتتعاظم مطالب المجتمعات المحلية، فالنجاح الحقيقي -بكل تأكيد- لا يُقاس بحجم الاستثمارات أو عدد الاتفاقيات فقط، بل بمدى التزام هذه المشاريع بمعايير الاستدامة، وحماية الموارد، وإشراك المجتمعات في عوائد التنمية. وفي هذا السياق، تبدو المملكة مطالبة بتقديم نموذج متوازن يجمع بين النمو السريع والانضباط البيئي، ليصبح التعدين أداة للتنمية الشاملة التي تعين الأجيال القادمة على تحقيق النهضة المتكاملة.

















التعليقات