قراؤنا من مستخدمي إنستجرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال حسابنا على إنستجرام
إضغط هنا للإشتراك

&

بقلم جمال شريف&
&
ضمن عروض مهرجان التراث والثقافة العراقي الذي نظمته الجمعية العراقية الكندية في تورنتو، امضينا أمسية ثقافية جميلة نادرة في مشاهدة عرض مسرحية أسئلة الجلاد و الضحية التي اعادتنا إلى تلك الاجواء الثقافية البغدادية الجميلة للمسرح العراقي الذي أعده واحد من بين افضل المسارح في العالم نظرا لقدرة الممثلل االمسرحي العراقي التكنيكية و التكتيكية في الأداء واجتهاد مخرجية المتفان في تقديم الافضل والاحدث وابداع مؤلفيه في تقديم مايغني الفكر البشري وعلو ثقافة المشاهد العراقي واحترامه للعمل المسرحي المميز ونظرته الوقورة للفن المسرحي وتحسسه من الإسفاف...
&"أسئلة الجلاد و الضحية" مسرحية للكاتب المبدع صباح الانباري، مسرحية فكرية من فصلين تتناوب كل من شخصيتي المسرحية: الجلاد في الفصل الاول والضحية في الفصل الثان في طرح تسائلاتيهما التي عبرت عن رؤيتيهما المختلفتين فيما حصل ويحصل ألآن بشكل مونودرامي تعاقبي تألق مخرج المسرحية فاروق صبري في توجيه العمل بتكتيك بريختي وتقليدي في آن معا حيث استطاع ان يفرض على الجمهور متابعة العرض في اجواء تفاعلية دون ملل كونها مسرحية غير تقليدية يغيب عنها البناء القصصي التقليدي وما يسمى "Plot" أو الحبكة وكذلك كونها بعيدة عن الاجواء الكوميدية التي اعتادها الكثيرون بل انها مسرحية ناقدة تستعرض مأساة أمة باتت تتكرر لنصل إلى قناعة بان الضحايا يتحملون مسؤولية صناعة جلاديهم من خلال وجهتي نظر النقيضين سواء كان الجلاد ام الضحية.... يظهر الجلاد في الفصل الاول "الذي تألق في اداء دوره الفنان غسان العزاوي" على خشبة المسرح وقد اعتلى الشموخ وروح التسلط على وجهه ونظرات المكابرة الفوقية للجمهور بابتسامة صفراء مقيته مرتديا بدلته الانيقة ويزهو بشخصه وبروح نرجسية فله تاريخ ناجح يجعله يفتخر بكل ماضيه فهو يصوب سهامه نحو الهدف فيصيبه بدقة ويطرح تساؤلاته التي يعتقد انه الوحيد من حقه ان يتكلم وعلى الجميع ان يصمت وينصت فقد سارت الامور كما يشتهي حسب السيناريو الذي رسمه بنفسه ... يصف الجلاد نفسه بروحية متعالية بان "القسوة والرافة مهنتي" نعم فالجلاد يقرر بمن يراف ومن يقسو عليه حتى باتت مهارة يتفرد بها وحق مكتسب له سوغه له العقل الجمعي للمجتمع ... لذا فاننا نجد تساؤلات الجلاد منطقية حين يعرضها متنقلا بين مقاعد الجمهور مرة ومرة اخرى يوزع نظراته بين الضحية والجمهور كي يوجه خطابه المسموم مفتخرا بما وصل اليه و معاتبا وساخرا في نفس الوقت لمن ناصره وجعله دكتاتورا متسيدا على مقدرات الأمة بسبب مغالاة الايمان به من قبل شلة غافلة آمنوا يوما انه السبيل الذي يحقق لهم "اهدافهم السامية" تلك العبارة التي يكررها الجلاد عدة مرات كي يزيد من سخريته المريرة لهم ... فقد استغل تلك آلآمال حتى استطاع ان يحولهم إلى "مخلوقات غريبة" حسب وصفه الدقيق لحالتهم ....أجل انه يصارحهم بذلك الوصف مدركا ان لم تعد هنالك فرصة لهم لاستعادة وعيهم فقد استفحل الجلاد أمره وفات عليهم الأوان في استعادت حقهم البشري. لكن الجلاد له معاناته ايضا فانه يصطدم بضحية غير قادر ان يمحورها باتجاهه لذا فهو يستغرب من صلابة موقف ضحيته فيصب جام غضبه بتسائلاته له واستغرابه لموقفه ... وفي الوقت الذي يتلذذ في تعذيبه يتلذذ الضحية في صلابة موقفه واصراره على هزيمة الجلاد ....
&هنالك ثلاث شخصيات في المسرحية هم الجلاد والضحية وشخصية رمزية ثالثة وهي شخصية مهمة في المسرحية؛ انها شخصية ايحائية محورية ربطت دراميا بصمتها فصلي المسرحية ونقلت تسائلات الجلاد للضحية وخزنت اجابات الضحية وقد كانت عبارة عن دمية "مليكان" ابدع الكاتب في ابتكارها وتألق المخرج في التركيز عليها وقد صممتها الفنانة زينة سليم بأسلوب مبسط جعلتها مرنة تتحمل اسقاطات الضحية و الجلاد معا. قد يوحي لنا صمت الدمية في نفس الوقت لتلك الاغلبية المطاوعة للجلاد والتي شكلت اغلبية اصابها الخرس برغبتها سواء بوعي منها أو باسلوب قسري فرضه عليها الجلاد ... فنرى الجلاد يترك ضحيته أو بالاحرى "دميته" متوجها إلى مقدمة المسرح و يتوقف قليلا ثم يستدرك ويستدير إليها ليتهكم عليها باملائاته الفكرية التي يصوغها بحرية &فهو من يحدد مساحة تفكير ضحاياه بعد ان أصبحوا دميته المطاوعة قائلا: "أريدك ما تنسَ يوم انطيتكم الحرية وتركتكم اتعيشون مثل ما يعجبكم لكن بدل ما تخططون للتخلص مني ساعدتوني على قتلكم وابتلاعكم واحد وره اللاخ.. قله منكم بس هي اللي اتخلصت مني وبرضايه فاختارت المنفى بدلاً مني؟ ولما سألتكم ليش ما رحلتو وياهم جاوبتوني حباً وكرامة وفداءً، إذا إحنا ما نفديك لعد منو اللي يفديك؟ إندهشت منكم حقيقة وسألت نفسي ليش؟ شنو اللي سويتلهمياه وحولهم إلى مخلوقات غريبه؟ شخصياً ما طلبت منهم أي شي" ثم يستدير إلى الجمهور ليخاطبهم بنفس الاسلوب و النبرة وكأنهم شخصية واحدة :"نعم اني الجلاد وانتم الضحية وكل منا يعرف دوره" هكذا استفحل امر الجلاد لدرجة انه وحده يرسم الادوار ومساحة تحركها كي ينفذ سيناريو حلمه الشخصي في تنفيذ مشروعه الخاص ... وهذه كانت خاتمة تساؤلاته لينتهي الفصل الاول تاركا النظارة يراجعون تسائلاته بعد مشاهد دموية قاسية عالجها المخرج بنجاح باستخدام حلول بصرية اذكت المشهد وعززت البعد النفسي لتسائلاته وكذلك باستخدامه للأرجوحة بصورة مخالفة لما اعتدناها حيث تحولت إلى اداة للتعذيب وقد قيدت بسلاسل ثقيلة تحدد حركة الضحية .... يبدأ الفصل الثاني بخروج الضحية (ادى الدور الفنان هيثم صالح باحساس عال مقنع) من جسد الدمية التي تتدلى على الارجوحة التي صممها الجلاد له. نراه مفزوعا من هول ما يلاقيه على يد جلاديه متخوفا ان تتعفن جثته قبل أن يدركها أحد. بعد ان ينظر إلى الفك المفترس الذي يمثل بوابة الدم حيث ينتظر خروج الجلاد منها كي يكافئ أمثاله ممن يختارالحياة الحرة أما بالموت أو الترحيل..... وتبدأ تسائلاته العميقة الواعية رغم حالة الاضطراب النفسي التي يمر بها : "تعتقدون هو جلاد فعلا؟ طيب ... سألتوا نفسكم ....ليش يعتبرنه من ذريته؟" تسائلات طالما وردت على اذهاننا في مسرح الحياة. ويستمر الضحية بطرح وجهة نظره مبتدءا بتصحيح مفاهيم الجلاد عنه ليثبت انه يحب الحياة ولايريد ان يصبح الموت هو الوجه الثان للحياة..... لقد كره الموت بقدر ما شاهد من موتى في كل الاماكن : الشارع ،ردهات المستشفيات، ساحات المعارك، في البيوت وعلى شاشات التلفزيون واخيرا الانترنت...عندها ترتفع اصوات الانفجارات وازيز اطلاق الرصاص مذكرتنا بتهور الجلاد لذا فهو يصحح النظرة السلبية للمناظلين تلك النظرة التي تصورهم مرضى نفسيين عابثين بقيّم بالحياة محبين للموت ينشدون الموت بدل الحياة... لقد مر الضحية كما مر شعبنا بمأساة كبيرة صورتها المسرحية في مشهد مؤثرحين يستفزه انفجار كبير يفقده وعيه ليصحو بعدها من مدفنه بين اشلاء مقطعة لاناس عاش اللحظة بينهم فيزيح ماتراكمت عليه من اشلاء الموتى ثم يزداد المشهد دموية بتطاير الرصاص من كل اتجاه حوله..... ثم يسرد الضحية قصة تلك المرأة الحامل التي تستنجد بمن يساعدها لانقاذ وليدها وكانها تحفظ حياة الجنين كي تستمرالحياة وبالتالي تنتصر الحياة على الموت وينتصر الخير على الشر فيهزم النور الظلام مصحوبة بصوت التنويمة العراقية الشهيرة "دللول يالولد يابني" التي وظفاها الكاتب والمخرج معا بشكل درامي موفق وقد كان صوت التنويمة يحاكي عمق الجرح الانساني. أدت التنويمة الفنانة "ريهام صبري"......&
الضحية في هذه المسرحية ليست مرتبطة بنظام معين ولا بايديولوجية معينة تسلطت على مسرح الحياة بزمن محدد ورحلت بل ان جلادها شخصية نمطية تتكررر دائما ولكن باسليب مهما اختلفت فانها متشتابهه فالشر هو الشر ذاته يكمن في خوالج النفس الشريرة وتكرر الجلاد يأتي بسبب السلوك السلبي للمجتمع الذي يكررر نفسه مهما تغيرت الانظمة فلايتغير الجوهر بتتغير الوجوه بلعبة تبادل الادوار المقيتة فقد يكون الجلاد حسب المسرحية شخص او حزب او ميليشيا او عقيدة بكاملها تسلطت عاى الحياة واستأثرت بمقدراتها ....انها قصة شعب استغفل و مازال يستغفل نفسه ويسلم مصيره لجلاديه بل يصنعهم بنفسه فينتهز الشر فرصته ليرقى بنفسه فوق الخير ويستعبد الشعب بوعي منهم او بدون وعي منهم فالجلاد لايرحم المغفلين... في نفس الوقت نرى الضحية مضطرب ومتناقض يعيش بين امل في الحياة و التضحية من اجل التغيير بتنوير الآخرين ولهول ماعاناه وشدة تعلقه بالحياة ونتيجة لاضطرابه نجده يهتز ويتردد ويراجع نفسه فيتغزل بجلاده في وقفة لمراجعة الذات لدرجة انه يوهم نفسه بحبه لجلاده. وفعلا نجد ازدياد عشق البعض لجلاديهم كلما ازداد اراهبهم لهم خصوصا من لديهم شخصية مريضة تربت على ذلك. لقد خدمت ستراتيجية البناء المونودرامي التعاقبي ثيمة المسرحية كونها تطرح رؤيتي طرفين متناقضين تماما دون الحاجة إلى المواجهة المباشرة كي لاتتحول إلى جدال تقليدي متأزم بل اعطت الحرية لكل شخصية في مسائلة الجمهور والتأثير عليه تاركة لهم خيار الفرز بين &الخير والشر ... انها تثير مراجعة الذات بخطاب الضمير إلى الضمير وليس الغرض منه محاكمة الماض بل تنوير طريق المستقبل ... "&
المسرحية اضافة درامية جديدة للمسرح العربي جديرة بالمشاهدة تظافرت فيها جهود جميع العاملين فيها باشراف مخرج لديه فكر مسرحي متميز اوصلت ثيمة المسرحية بأسلوب فني مبتكر و ممتع في آن معا.
&
&
ناقد عراقي مقيم في كندا