محمد قاسم من بغداد: اول مايلاحظه الزائر للعراق هو طغيان اللون الاسود لدى العراقيات في جميع المدن العراقية خاصة في الغرب الوسط والجنوب اذ تعتبر العباءة النسائية العراقية بلونها الاسود زيا شبه مقدسا للعراقيات خاصة في القرى والارياف وبعض المدن.

لكن تزايد في السونات الاخيرة الطلب على اللون الاسود للملابس بشكل لافت في العراق. اذ فاق الطلب عليه ماكان سائدا ايام الحرب العراقية الايرانية 1980 - 1988. فقد جرت العادة لدى العوائل العراقية ان العائلة التي تفقد الاب او الام او الاخ او الاخت او الابن او البنت فان جميع افراد العائلة سيرتدون الملابس السوداء حزناً على فقده وتماشياً مع العُرف السائد، لكن الذكور يستمرون بلس السواد لمدة لاتتجاوز الاربعين يوماً وربما اقل اما الاناث فيستمر لبس السواد عندهن الى مدة لا تزيد عن سنة كاملة ولاتقل عن ستة اشهر، ولنفس السبب حزنا وتماشيا مع العُرف.
وكذلك فان ام او زوجة الفقيد او اخته تأتي اليها نساء الجيران والاقارب بعد مجلس الفاتحة ليهدين لها ثوب اسود(جديد) ايضاً تماشياً مع العُرف السائد وتسمي النساء هذه المسألة بــ(الواجب).

وفي التسعينات فوجيء العراقيون بما يُسمى (فدائيو صدام) يظهرون على الشاشة وهم يسيرون كراديس امام منصة الرئيس المخلوع مرتدين ملابس عسكرية سود من القدم الى الرأس ولايظهر منهم سوى عيونهم حيث كانت مشاهدتهم تبعث الخوف والرهبة والاشمئزار لدى الناس ولعلهم اختاروا لهم لبس اللون الاسود لهذا الغرض.

وبعد سقوط النظام عام 2003 وبعدما تغيرت السياسات الامريكية في العراق وظهرت جيوب للمقاومة هنا او هناك تشكلت وظهرت بعض المليشيات المسلحة ايضاً ترتدي غالباً الملابس السود كما هو معلوم لدى القـُراءالى ان ظهر الارهابي الاردني ابو مصعب الزرقاوي في شريط فيديو يهدد ويتوعد جميع اطياف الشعب العراقي وكان يرتدي هو وجماعته ملابس سود...هذا الشريط دفع احدى المليشيات (جيش المهدي) الملابس السود لكي لا تُحتسب على الزرقاوي.

ودفع ازدياد عدد الضحايا يوميا من جراء التفجيرات والاغتيالات، اكثر الاحصائيات تقول ان حوالي 100 عراقي يُقتل يومياً، العراقيين لطلب القماش الاسود من محلات الاقمشة لان كل شخص يموت تعلق له قطعتان من القماش لاتقل الواحدة عن (2 متر) وربما اكثر يُنعى فيها وتعلق في منطقته السكنية بالاضافة الى افراد عائلته. بعدما كان هذا الامر (اي تزايد الطلب على القماش الاسود) في فترة الحرب العراقية الايرانية وايضاً في نهاية شهر ذي الحجة وبداية شهرمحرم حيث يتم شراء القماش الاسود لتعليقة في المساجد والحُسينيات الشيعية وبعض البيوت حزنا واستذكاراً لمقتل الامام الحسين.

ويكثر ارتداء اللون الاسود اليوم في المناطق التي تعرضت اكثر من غيرها لهجمات اميركية مثل مدينة الصدر وسط بغداد والفلوجة والنجف وديالى.. وربما تنفرد محافظات اقليم كردستان بالوانها الزاهية طبيعة وملابسا بسبب الامان الواضح مقارنة ببية محافظات العراق.. وهو مايامل العراقيون ان يعم كل محافظاتهم.

ويتفاوت سعر القماش وفقا لنوعيته فلم يوحد الحزن على الموتى الناس سوى في اللون فقط بينما تبقى الفوارق الاجتماعية كما هي. لكن المعروف ان العوائل الفقيرة هي الاكثر تمسكا باللون الاسود لما يشكله من مواساة لها على من فقدت ولتسد به ضنك العيش والمظهر الاجتماعي. اضافة الى الى الاحالات النفسية التي يسببها الون الاسود لمرتديه كما يرى علماء النفس.

يقول احد الشباب ممن لدية محل لبيع الاقمشة بانواعها :سابقاً كان الطلب على القماش الاسود في شهر محرم فقط..اما الان فان الطلب تضاعف جدا على اللون الاسود بسبب مايمر به البلد من تفجيرات يومية تودي بحياة الكثيرين كما ان الطلب يكون على القماش الاسود النسائي فقط لان الذكور يشترون ملابس سود جاهزه.

أحد كبار السن ايضاً لدية محل لبيع القماش قال: لقد تضاعف الطلب على القماش الاسود...تضاعف وتضاعف وتضاعف
بعدما كان الطلب عليه حاله حال أي قماش من أي لون والاحداث الاخيرة هي السبب واغلب الطلب يكون قماش اسود لعمل ثياب نسائية او لافتات للمظاهرات..
سمي العراق ارض السواد لكثرة نخيله ويمكن اليوم تفسير تلك التسمية لكثرة مرتدي اللون الاسود من سكانه.