أسامة العيسة من القدس: يمثل لقاء أسير فلسطيني سابق قضى فترة طويلة في السجون الإسرائيلية، وأستاذه الإسرائيلي، مثلا على العلاقات المتشابكة التي تربط قطاعات من الفلسطينيين والإسرائيليين، دون أن يفقد كلا من الطرفين موقعه. ويشارك زهير الحمد الله (42) عاما، الأسير الفلسطيني السابق، الذي قضى نحو 18 عاما في السجون الإسرائيلية، في برنامج للدراسات الإسرائيلية، ينظمه مركز تامي شتاينميس لأبحاث السلام الإسرائيلي، والمركز الفلسطيني للبحوث السياسية المسحية الذي يديره الدكتور فتحي الشقاقي.ويطلق على البرنامج الذي يموله صندوق فورد الأميركي (نظرة إلى ما وراء الحدود: برنامج التعارف المتبادل للرواية وللواقع في فلسطين وإسرائيل) وتنظم لقاءات البرنامج في مقر بعثة البنك الدولي في الأراضي الفلسطينية، في منطقة ضاحية البريد، التي اعتبرت لسنوات ضاحية القدس الشمالية، ولكنها أصبحت الان معزولة عن القدس بجدار عزل، ويوجد فيها مقار للعديد من المؤسسات الفلسطينية والدولية، وتحولت إلى مكان مفضل للقاءات الفلسطينية-الإسرائيلية غير الرسمية لتحولها إلى ما يشبه منطقة حدودية، فرضتها حكومة إسرائيل من جانب واحد.
وتلقى مثل هذه اللقاءات، كالتي يشارك فيها الحمد الله، اعتراضا من قطاعات واسعة من الرأي العام الفلسطيني باعتبارها تمثل تطبيعا مع الإسرائيليين، أما مؤيديها فينفون ذلك.
ويتلقى الحمد الله ومجموعة صغيرة من عاملين في السلطة الفلسطينية ومؤسسات غير حكومية محاضرات في الشان الإسرائيلي من مختلف الجوانب، يلقيها محاضرون في الجامعات الإسرائيلية، معظمهم يلتقي لأول مرة بطلبة فلسطينيين، ومنهم من يدخل الأراضي الفلسطينية لأول مرة، ليلقي محاضرته في مكان محاط بالجدران العازلة.
وانتظر الحمد الله، الذي يعمل الان في وزارة الخارجية الفلسطينية، بشغف حضور الدكتور ايلان بن عامي المحاضر في الجامعة المفتوحة الإسرائيلية ليلقي محاضرته لانه كان quot;أستاذا لي وأنا في السجنquot; كما قال لمراسلنا.
ويشرح الحمد الله، انه وبعد سنوات من نضالات الحركة الأسيرة الفلسطينية داخل السجون الإسرائيلية، تمكن الأسرى الفلسطينيون وبعد عام 1994، وفي الظروف التي أعقبت اتفاق أوسلو، من انتزاع حقهم في تلقي العلم وهم داخل السجون، خصوصا من الذين يقضون أحكاما عالية، وهكذا سمح للأسرى بالانتساب للجامعة المفتوحة الإسرائيلية، وتلقي دروسا باللغة العبرية.
وحصل الحمد الله، المحسوب على التيار الرسمي في الحركة الوطنية الفلسطينية الذي تمثله منظمة التحرير الفلسطينية، على شهادة البكالوريوس في العلوم السياسية، وهو الان واحدا من ثلاثة أسرى من الضفة الغربية حصلوا على مثل هذه الشهادة وهم داخل السجون.
وعندما خرج الحمد الله من السجن، بعد 18 عاما، ومواجهة صعوبات التكيف مع واقع جديد، اكمل دراسته للماجستير في جامعة بير زيت، والتحق بالعمل في وزارة الخارجية الفلسطينية.
ويشعر الحمد الله بان الدكتور بن عامي، الذي لم يلتقيه وهو داخل السجن، حيث كان الأسرى الملتحقين بالجامعة المفتوحة، يجيبون على ما يسمى (التعيينات) والتي ترسل إلى الجامعة، أحد الأساتذة المميزين والمخلصين.
ويقول بان بن عامي كان يهتم بالتفاصيل ويصحح حتى الأخطاء الإملائية للطلبة الأسرى، ويبدي دائما ملاحظات مشجعة، وتوجيهات على أوراق التعيينات والامتحانات، مما جعل الحمد الله يشعر بتميز هذا المحاضر الإسرائيلي.
ويضيف بان علاقة ربطته ببن عامي، دون أن يريا بعضهما، حتى التقى الاثنان الان في منطقة أصبحت حدودية بين الجدران العازلة.
وأبدى الدكتور بن عامي سعادته عندما قدم الحمد الله نفسه إليه مشيدا بحرارة بدور بن عامي في تلقيه شهادته الجامعية الأولى وهو في السجن.
وقال بن عامي لمراسلنا الذي حضر اللقاء بين الاثنين quot;اشعر بسعادة عندما أرى سجينا وقد أطلق سراحه بغض النظر إذا كان إسرائيليا أو فلسطينياquot;.
واضاف بأنه يتعامل كأستاذ بغض النظر عن الموقف السياسي، أو أية اعتبارات أخرى، أو تفرقة بين طلاب على أساس هويتهم وسواء كانوا داخل السجون أو خارجها، فالمهم بالنسبة له هو القيام بما يصفه بدوره العلمي.
وعلّم بن عامي أسرى فلسطينيين، الذين تلقوا دراستهم في الجامعة الإسرائيلية المفتوحة، ولكنه لا يعرف أسماء من درسهم وبعضهم شق طريقه في الحياة.
وردا على سؤال لمراسلنا عن شعوره، إذا واصل الحمد الله طريقه في الحياة وتولى منصبا مهما أو اصبح مثلا وزيرا للخارجية قال بن عامي quot;بلا شك ساكون سعيدا، وسأشعر بأنه كان لدي دورا فيما وصل إليه، وهذا سيكون مبعث سرور دائم ليquot;.
ويشيد بن عامي بمستوى الأسرى الفلسطينيين أكاديميا قائلا بأنه quot;بغض النظر إذا اتفقنا أو اختلفنا معهم فانهم يتمتعون بوعي سياسي وثقافي عال مما يؤهلهم لنيل شهاداتهم باستحقاقquot;.
وكشف الحمد الله خلال لقائه مع أستاذه السابق الذي يراه لأول مرة، عن سر quot;أكاديميquot;، مشيرا إلى أن مسؤولا إسرائيليا كبيرا في السجن كان هو الآخر يدرس في الجامعة الإسرائيلية المفتوحة وكان يغش بنقل الإجابات عن الحمد الله، ويطلب الأوراق التي يجيب عليها، لينقل هذا المسؤول الإجابات منها على أوراقه، وإذا ما تأخر الحمد الله في إرسالها، كان يبعث المسؤول الإسرائيلي في طلبها، واستغل الحمد الله ذلك طالبا لوحا خشبيا صغيرا ليضع عليه الورق ليكتب بشكل اسهل، وكان ممنوعا إدخال مثل هذا اللوح، ولكن بعد تلكؤ من قبل المسؤول تم إدخال هذا اللوح إلى الحمد الله بشكل استثنائي، واصبح بمثابة مكتبا متنقلا لحمد الله، وامتيازا مهما له في ظروف السجن، وكان يأخذه معه أينما تنقل بين السجون التي خرج منها الحمد الله أخيرا، بعد سنوات طويلة قضاها خلف القضبان تغيرت فيها أشياء كثيرة في الخارج، ولكن الأسباب التي دخل من اجلها السجن والتي يلخصها بالنضال من اجل إزالة الاحتلال، ما زالت قائمة.
- آخر تحديث :




التعليقات