قراؤنا من مستخدمي إنستجرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال حسابنا على إنستجرام
إضغط هنا للإشتراك

تتطلب الديمقراطية الحقيقية ثقافة ممارسة وتأهيل لنخب سياسية وطنية تقود البلاد، والعمل لأجل دولة قوية يحكمها الدستور والقوانين. قد لا يتحقق هذا أحيانًا بسبب استغلال بعض المسؤولين مناصبهم لكسب الرأي العام، ما قد يؤثر بطريقة عكسية على نمو الدولة وفاعليتها.

"إيلاف" من بيروت: عرف غاريت جونز، أستاذ الاقتصاد بجامعة "جورج مايسون" في فرجينيا، أنه في صدد التحضير لكتاب مهم عندما تلقى اتصالًا من شرطة الحرم الجامعي يفيده باعتراض بعض الطلاب على محاضرة ألقاها يوحي فيها بأن الدول الغنية ستكون في وضع أفضل إذا كانت أقل ديمقراطية.

الوقت الملائم
من هنا جاءت فكرة كتابه الجديد:" 10 في المئة أقل من الديمقراطية: لماذا يجب أن تثق أكثر في النخب أكثر وأن ثقت أقل في الجماهير" 10% Less Democracy: Why You Should Trust Elites a Little More and the Masses a Little Less (المؤلف من 248 صفحة، منشورات ستانفورد يونيفرسيتي، 28 دولارًا).

يعتبر جونز في كتابه أن الوقت اليوم يبدو ملائمًا لانتقاد الديمقراطية. في ضوء استخدام جهاز الدولة من قبل القادة المنتخبين لتقويض المعارضين في أميركا، وقتل الناس في الفلبين، وتهديد استقلال القضاء في بولندا، وسرقة المال العام في جنوب أفريقيا.

يورد جونز في كتابه التقرير الذي صدر في الشهر الماضي من مركز مستقبل الديمقراطية في جامعة كامبريدج، ومفاده أن دعم الديمقراطية انخفض بشكل حاد في معظم أنحاء العالم منذ تسعينيات القرن الماضي، بما في ذلك أميركا وأوروبا الغربية والجنوبية، بينما استطاعت الدول الأكثر استبدادًا تأمين الرخاء لسكانها وتوسيع نفوذها في جميع أنحاء العالم.

الديمقراطية والنمو
اكتشف جونز أن انتقاد الديمقراطية في الغرب لا يزال يشبه إطلاق انتقادات ضد البابا في أوروبا في القرن الخامس عشر أو ضد رئيس استبدادي في العصر الحديث، حيث يمكننا اليوم إلقاء اللوم على المستشارين المراوغين أو التدخل الأجنبي، بدلًا من التركيز على مفهوم الديمقراطية نفسه.

كاقتصادي، يتعامل مع الديمقراطية كنظام إنتاج يكون إنتاجه هو الحكم، ويتفحص كيف يمكن تعديله لتحسين المنتج. يُعتبر كتابه بمنزلة البحث في ما إذا كانت الديمقراطية تنعكس سلبًا أو إيجابًا على البلدان والمواطنين.

وكما يوحي عنوان الكتاب، فإن النقد الذي نقرأه عند التصفح يعمل ضمن نطاق ضيق. وهو يعترف بأن وقوع المجازر والمجاعات أقل احتمالًا في الديمقراطيات منها في الأنظمة الاستبدادية، وأن هناك علاقة واضحة بين الديمقراطية والازدهار.

لكنه لا يوافق على ادعاء دارون أسيم أوغلو، أستاذ الاقتصاد في معهد "ماساتشوستس" للتكنولوجيا، بأن "الديمقراطية تسبب النمو"، حيث وجدت دراسة الأخير أنه عندما تتحول الدول الاستبدادية إلى ديمقراطية، فإنها تحقق نموًا اقتصاديًا بشكل أسرع، ما يرفع الناتج المحلي الإجمالي للفرد بمعدل 20 في المئة على المدى الطويل.

مصالح انتخابية
يشير جونز إلى أن الديمقراطيات كلها تحد من المشاركة الشعبية في صنع القرار الجماعي، سواء من خلال تسليم المسؤولية للممثلين المنتخبين لاتخاذ القرارات الكبيرة، أو عن طريق تعيين القضاة وغيرهم من الموظفين العموميين. ويرى أنه نظرًا إلى أن الناس لا يصوّتون دائمًا لما هو جيد لهم، فإن تلك البلدان التي وصلت إلى أعلى مستوى من مقياس الديمقراطية يجب أن تضع قيودًا أكثر صرامة.

أظهرت دراسة أجراها ألبرتو أليسينا ولورنس سمرز في عام 1993 أن التضخم كان أقل في البلدان ذات البنوك المركزية المستقلة، ولم تكن هناك تكلفة من حيث النمو أو التوظيف. كانت الحيلة ببساطة هي تسليم المسؤولية إلى مسؤول لم تكن لديه أي مصلحة في استخدام منصبه لتعزيز صورته في الفترة التي تسبق الانتخابات.

تسمح الاختلافات بين كل دولة بمقارنة أدائها مع النوع المحدد. ومن الأبرز الأدلة التي يستند إليها جونز هي اتخاذ القضاة المنتخبين أحكامًا أسوأ وتكليف محافظي المدينة المنتخبين دافعي الضرائب مبالغ أكبر، مقارنة بالقضاة والمحافظين غير المنتخبين.

الديمقراطية مكونًا أخلاقيًا
يمتلك جونز الكثير من الأدلة المقنعة يؤكد فيها أن إجراء عدد أقل من الانتخابات ووضع المزيد من المسافة بين الناخبين والقرارات تجعل من الحكم أفضل. وهو ينجذب إلى فكرة "نظرية المعرفة"، أي الدولة التي يحكمها أشخاص أذكياء؛ ويدعو إلى إعطاء دور رسمي في صنع القرار لحملة السندات، الذين يقيدون بالفعل حرية الحكومات من خلال رفع تكاليف الإقراض إلى البلدان التي تدار بشكل سيء.

لكن بعض ما ذكره جونز يكشف الخلل في هذا الكتاب الممتع؛ إذ ينظر جونز إلى الديمقراطية كنظام اقتصادي. بينما هي بالنسبة إلى معظم الناس، ترتبط بمكون أخلاقي ضروري. فهي تُعد تعبيرًا عن الاعتقاد بأن الجميع متساوون في نظر الله أو في صندوق الاقتراع، وأنه ينبغي لشعب البلد أن يتمتع بسلطة على حكومته.

يمكن القول إن الحوادث الأخيرة في هونغ كونغ توضح هذه النقطة؛ إذ تُعد هذه الجزيرة من نواح كثيرة مكانًا محكومًا بشكل محكم، مع نظام اجتماعي موثوق واقتصاد مزدهر وديمقراطية محدودة للغاية. وأرسلت نتائج انتخابات العام الماضي التي دعم فيها الناخبون المتظاهرين المؤيدين للديمقراطية، رسالة واضحة إلى الحكام الصينيين بأن شعب الجزيرة يريد المزيد من الحرية، حتى على حساب الاستقرار.


أعدت "إيلاف" هذا التقرير عن "إكونوميست". الأصل منشور على الرابط:
https://www.economist.com/books-and-arts/2020/02/13/why-an-excess-of-democracy-can-lead-to-poor-decisions