تتعامل غالبية المجتمعات مع الاغتصاب على أنه عار يلصق بالضحية أكثر من الجاني، لذا تتجاهله وتغضّ الطرف عنه، ما يجعل توثيق حالات الاغتصاب في أثناء الحرب أمرًا بالغ الصعوبة؛ إذ يأبى معظم الضحايا ذكر الواقعة.


"إيلاف" من بيروت: الاغتصاب في الحروب قديم قدم الحروب نفسها، لكن نادرًا ما يُلقى عليه الضوء، ونادرًا ما تخرج "ناجية" إلى العلن لتضع الجميع في مأزق أخلاقي.

في كتابها الجديد "أجسادنا مسرحًا لقتالهم: ماذا تفعل الحرب بالنساء" Our Bodies, Their Battlefield: What War Does to Women (المكون من 432 صفحة، منشورات ويليام كولينز، 20 يورو)، تشرح الصحفية كريستينا لامب أن الاغتصاب في الحروب يُنظر إليه غالبًا على أنه "جريمة خاصة"، أو عمل وحشي عارض، عندما يكون سلاح حرب كالسكين أو الكلاشينكوف.

اغتصاب في ساحة المعركة
على الرغم من كونه تكتيكًا شائعًا في ساحة المعركة، تم تجاهل الاغتصاب إلى حد كبير في الروايات التاريخية، فلم يبرز هذا المصطلح في دروس التاريخ المدرسية عن الحرب العالمية الثانية التي قرأتها لامب في المدرسة، ولا تلك الكتب التي درسها ابنها.

استغرق الأمر نصف قرن من الزمان كي تعترف الحكومة اليابانية بالضرر الذي لحق بـ "نساء المتعة"، وهو تعبير مزعج ومؤلم للكوريين وغيرهم ممن أجبرهم الجيش الياباني الإمبراطوري على العبودية الجنسية.

أبلغ الصحافيون والكوادر الطبية أخيرًا عن اغتصاب جماعي في البوسنة ورواندا والكونغو، حيث تعرّض الأطفال للاعتداء الجنسي. وخلال غزوهم الذي استمر ثلاث سنوات في شمال العراق وسوريا بدءًا من عام 2014، أعلنت قيادة تنظيم الدولة الإسلامية (داعش) أن المقاتلين يمكنهم استعباد النساء الأيزيديات جنسيًا لأنهن لم يكن مسلمات.

في ميانمار، نفذت القوات الحكومية البوذية في عام 2017 اغتصابًا جماعيًا ضد أقلية الروهينغا المسلمة.

هذا، وتجدر الإشارة إلى أن الاغتصاب الجماعي للنساء الألمان على أيدي قوات ستالين في أثناء دخولها برلين في عام 1945 لم يكن معروفًا على نطاق واسع، حتى كتب أنتوني بيفور عن ذلك في عام 2002. ولا تزال الحكومة الروسية تنفي حدوثه.

كسر القواعد
تطرح لامب في كتابها أسئلة عدة: "ما هي المتعة التي يمكن أن يحصل عليها الرجال من إساءة معاملة النساء بهذه الطريقة؟، وهل الرجال مجبرون على إيذاء النساء؟".

تشير لامب إلى أن الحرب هي وقت يتم فيه كسر القواعد، وإذا تم إضفاء الشرعية على القتل، فليس مفاجئًا انتهاك القواعد الأخرى أيضًا. لكن الاغتصاب غالبًا ما يكون جزءًا لا يتجزأ من كيفية سير الحرب. قد يتسامح القادة أو حتى يأمروا بالاغتصاب لإهانة العدو، وإصابة السكان بالصدمة لجعلهم يفرون، لتغيير التوازن الديموغرافي في بلد أو منطقة. في السجون السورية، يُغتصب الرجال أيضًا كشكل من أشكال التعذيب.

أنكر سجناء داعش الذين قابلتهم لامب أنهم ارتكبوا ممارسات الاغتصاب المشينة. واستطرادًا، تنوه لامب بأن بعض الجيوش يلجأ إلى هذه الممارسات، بينما تمتنع جيوش أخرى عن ذلك، فقد لجأ البريطانيون إلى الاغتصاب بنسبة أقل من الجيوش الأخرى خلال الحرب العالمية الثانية، ويرجع ذلك أساسًا إلى ثقافتهم العسكرية.

على الرغم من وحشية النزاع الإسرائيلي - الفلسطيني، ثمة تقارير قليلة عن قيام جنود إسرائيليين باغتصاب الفلسطينيين، وربما يرجع ذلك إلى أن ثلث عديد الجيش الإسرائيلي نساء.

بريق أمل
يُعطي الكتاب بعض بريق الأمل حول البيئة القانونية المتغيرة، حيث أدركت نافانيثيم بيلاي، وهي قاضية في المحكمة الجنائية الدولية لرواندا، أن الشهادة التفصيلية للاغتصاب التي قدمها الشهود كانت جوهرية، وليست هامشية، في تهم الإبادة الجماعية.

إن المقابلات التي أجرتها لامب مع الروانديات الرائدات اللواتي تغلبن على الخوف ووصمة العار للإدلاء بشهادتهن نجحت في نهاية المطاف بإقناع الإدعاء بإضافة الاغتصاب والعنف الجنسي إلى لوائح الاتهام. وكانت هذه أول مرة يتم فيها الاعتراف بالاغتصاب في محكمة دولية، ويُحاكَم مُرتكبوها من منطلق أنها جزء من الإبادة الجماعية.

ذهبت المحكمة الجنائية الدولية ليوغوسلافيا السابقة أبعد من ذلك، حيث حكمت بأن الاغتصاب والاستعباد المنهجي يمكن أن يعاملا على أنهما تعذيب... وبالتالي يُعدان جريمة حرب. وكانت القاضية فلورنس مومبا من زامبيا هي التي أصدرت هذه الإدانة الأولية.

تطورات مقلقة
على الرغم من بريق الأمل الذي عرضته لامب، فإنها لا تُخفي قلقها من عدم قيام أي شخص بعد بمحاكمة أعضاء داعش بتهمة اغتصاب نساء يزيديات. كما تعرض ما قالته الأسيرة السياسية السابقة أونغ سان سو كي، التي أصبحت الآن زعيمة ميانمار، بأن المحاكم العسكرية في بلدها يمكن أن تتعامل مع أي فظائع مزعومة ارتكبها الجنود ضد الروهينغا من دون ذكر الاغتصاب.

تذكر لامب عدم اتخاذ أي إجراء فاعل ضد أعضاء جماعة بوكو حرام، التي تتخذ من نيجيريا مقرًا لها، والتي تواصل خطف النساء واستعبادهن. ففي عام 2014، خطفت الجماعة 219 تلميذة من قرية شيبوك النيجيرية. وعلى الرغم من علامات الغضب التي أبداها المشاهير، بما في ذلك ميشيل أوباما، السيدة الأولى في الولايات المتحدة آنذاك، فشلت الحكومة النيجيرية في شن عملية إنقاذ عندما كان ذلك ممكنًا، فيما أسفرت المفاوضات عن تحرير بعض الفتيات، لكن بقي معظمهن مفقودًا حتى اليوم.


أعدت "إيلاف" هذا التقرير عن "غارديان". الأصل منشور هنا.