إيلاف من بيروت: تضم ضاحية بيروت الجنوبية طبقات متعددة من الاشتباكات والهويات المحاصرة التي تشكل تحديات داخلية كبيرة لسيطرة حزب الله على لبنان. يمتد الطريق السريع المؤدي جنوبًا من مطار رفيق الحريري الدولي في بيروت إلى معقل حزب الله في الضاحية، ما يسمح للمسافرين بالشعور بقوة الجماعة ووجودها من دون رؤية المجتمع المحيط على حقيقته: طبقات متعددة من الهويات المتعارضة والمحاصرة التي تشكل تحديات داخلية كبيرة لحزب الله.
بالنسبة إلى سائقي السيارات، يحجب حاجز الطريق السريع أي مفهوم لظروف الاستقطاب في المنطقة، من الأقسام الفاخرة التي تصطف على جانبيها المتاجر حيث يعيش كبار مسؤولي حزب الله إلى ساحات القتال المظلمة والفقيرة التي تعلق عليها صور باهتة "للشهداء". كما يفتقد السائقون شبكة القنوات الإعلامية التي ترعاها إيران والمخازن العسكرية والمؤسسات الدينية التي تزدهر في الضاحية - إلى جانب السجون السرية التي تعزز قبضة حزب الله الحديدية.

دولة حزب الله
في هذا التركيز السياسي، الموضح بشكل غني بالخرائط المحلية، تكشف الصحفية اللبنانية حنين غدار، زميلة فريدمان في برنامج غدولد حول السياسة العربية التابع لمعهد واشنطن لسياسات الشرق الأدنى، الفجوات الآخذة في الاتساع بين المجتمع الشيعي في البلاد وأباطرة حزب الله، لا سيما منذ الاحتجاجات الجماهيرية التي هزت البلاد في أكتوبر 2019، في كتابها دولة حزب الله: خريطة الضاحية والمجتمع الشيعي اللبناني Hezbollahland: Mapping Dahiya and Lebanon’s Shia Community.
تحليلها لا يصحح فقط التبسيط السابق للبنانيين، بل يقدم أيضًا مسارًا شيعيًا لواضعي السياسات الذين يسعون لتقويض الجماعة المسلحة ومنح الدولة الهشة الأمل في المستقبل.
بحسبها، على مدار مراحل تطور حزب الله، بما في ذلك المراحل الأخيرة التي انطوت على الحرب السورية والاحتجاجات الداخلية، أعاد المجتمع الشيعي باستمرار النظر في هويته الجماعية وأولوياته. بين الشيعة اللبنانيين، هناك تحولان رئيسيان واضحان: الأول، الانتقال من الهوية الطائفية إلى الهوية الوطنية، ما يمثل استجابة للصعوبات التي عانى منها المجتمع الشيعي الجماعي خلال العقد الماضي؛ والثاني، خروج متزايد عن رواية المقاومة للحرب والتلقين الإسلامي لصالح رواية تركز على الاقتصاد وحقوق الإنسان واحتياجاته الأساسية والمواطنة.
الاستياء متعاظم
على الرغم من أن أفكار المقاومة والعداء تجاه إسرائيل لا تزال عميقة الجذور، فإن الاستياء من الحرب وجهود حزب الله لمواصلة عسكرة المجتمع الشيعي أقوى. واليوم، يواجه مفهوم التشيع كواقع عسكري ومثير للحرب تحديًا من رغبة العديد من الشيعة اللبنانيين في تحسين مستويات المعيشة والاستقرار المالي والأمن. بهذا المعنى، فإن المواطنة - والحرص على أن تكون جزءًا من الشعب اللبناني - أصبحت أكثر أهمية من التمسك بالهويات الطائفية.
فاليوم، أكثر من أي وقت مضى في تاريخ لبنان الحديث، واضح أن لا وجود لمجتمع شيعي متماسك. لقد مر المجتمع المحلي بموجات من تحولات الهوية والصراعات، واكتسب طبقات من الفروق الدقيقة التي تجعل تصنيف أعضائه مهمة صعبة. حوادث السخط والتعبير عن الخلاف من قبل أفراد شيعة انضموا إلى الاحتجاجات في لبنان، أو شاركوا تسجيلًا مناهضًا لحزب الله عبر تطبيق واتسآب، أو حتى سرقوا لحظة على التلفزيون للشكوى، ليست غير عادية.
إنها علامات على واقع خفي بدأ في الظهور من خلال تصدعات في جبهة المجتمع كما روج لها حزب الله. بالنسبة للبعض، قد يعني حزب الله مقاومة. بالنسبة للآخرين، قد يعني الحماية. بالنسبة للبعض، إيران تعني التمكين؛ بالنسبة للآخرين، فهذا يعني الدعم المالي. لا يزال الكثير من الشيعة يرون في حزب الله شخصية الأب. وبالتالي، فإنهم يشعرون بالالتزام أو الواجب لحماية المجموعة من الغرباء.
لكن هذا كله لا يعني أن حزب الله هو أب يُعجب الشيعة بشخصيته.
أعدت "إيلاف" هذا التقرير عن موقع "معهد واشنطن"
أنقر هنا لتنزيل كتاب حنين غدار "دولة حزب الله"





التعليقات