أثيرت في الآونة الأخيرة جملة من التساؤلات الغامضة حول مشروع تنموي ينوي النظام السوري تنفيذه بدعم من الصندوق الكويتي للتنمية الإقتصادية العربية كما قيل! ، وهو المشروع المتعلق بسحب مياه نهر دجلة من العمق التركي للأراضي السورية وتوسيع المساحات الزراعية في منطقة الجزيرة السورية بهدف إرواء 200 ألف هكتار من الأراضي الزراعية السورية كما قيل ؟ وبرغم أن هذا الملف برمته ينتابه الغموض الشديد وتدور حوله علامات التساؤل و الإستفهام إلا أن الإتهامات السياسية قد تطايرت بل أن البعض من الأوساط العراقية لم يتوان أبدا عن توجيه الإتهام لدولة الكويت بأنها تتعمد إيذاء العراق وحرمانه من موارده المائية و بأن السوريين لا يمكنهم وفقا لإمكاناتهم المالية من تنفيذ المشروع لولا الدعم الكويتي!، و العجيب في ألأمر إن الإتهامات تتطاير فيما الحكومات المعنية لم ترد بشكل نفصل حول حقيقة ما يحدث ؟ وما إذا كانت هنالك ثمة مصداقية ما لما تردد من أنباء حتى أعلن النظام السوري بأن المشروع ليس جديدا بل أنه يعود لعام 2002 تحديدا أي في آخر أيام النظام العراقي السابق قبل الإحتلال الأمريكي وحيث تم الإتفاق مع الجانب السوري على موافقة العراق على قيام دمشق بسحب كمية متفق عليها من مياه نهر دجلة بالقرب من القامشلي لأرواء الأرض الزراعية هناك! ، والحقيقة تقول بأن هكذا مشاريع عملاقة لا تنفذ بخفة بل عن طريق توافقات سياسية معينة وضمن منطق المصالح المشتركة و النظام العراقي السابق لم يكن في وارد التدقيق على فحوى ذلك الإتفاق القديم وهو كان مشغولا بمتابعة مصيره و إستمراريته! ، لذلك فإن أي إتفاقات مع نظام صدام عقدت في ( الوقت الضائع ) هي إتفاقات لاقيمة لها بالمطلق ولا تمتلك الشرعية أبدا لأنها عقدت في ظروف غير مناسبة بالمرة لم تؤخذ فيها مصلحة شعبي البلدين ولم تراع فيها عوامل عديدة أهمها الإبتعاد عن إيقاع الضرر بأحد الأطراف ، والعراق كما يعلم القاصي و الداني يعاني من شحة مائية مريعة رغم أنه أرض ( الرافدين )! ، ففي الجنوب العراقي تعاني الأرض الزراعية هناك من تقلص كبير في مساحاتها و من تسمم التربة و تسرب الملوحة القاتلة بعد قيام النظام الإيراني بمشاريع إروائية مشبوهة في إقليم الأحواز العربي المجاور للبصرة تم على أثرها وقف صب مياه نهر الكارون في مياه شط العرب مما أدى لإرتفاع نسبة الملوحة القادمة من الخليج العربي في الشط وإمتداد التصحر وموت بساتين النخيل فضلا عن شحة المياه المتدفقة من نهري دجلة و الفرات بسبب النقص الكبير في مياه نهر الفرات وهو نقص يمتد زمنه لعقود سابقة بسبب مشاريع السدود التركية و السورية ( سد الأسد ) عليه مما قلل من حصة العراق المائية في النهر وهي مشكلة تعود تحديدا لعام 1976 حينما تردت العلاقات العراقية / السورية بسبب موضوع نهر الفرات! رغم أن نظامي الحكم في البلدين من طينة واحدة يحكمهما حزب البعث بفرعيه المتنافسين و المتناحرين حتى النخاع! وظل الوضع كذلك صعودا وهبوطا و تشابك البلدان بين إتفاقيات وحدوية أواخر عام 1978 سميت ب ( ميثاق العمل القومي الوحدوي )! قبل أن يفترقا مرة أخرى في نهاية عام 1979 لمدة طويلة جدا ويدخلان في حالة هي أكثر من الحرب قطعت خلالها العلاقات الدبلوماسية و أغلقت الحدود بالكامل و منع حتى تبادل الخدمة البريدية!! و أشتعل التآمر في دعم الجماعات المتمردة في البلدين ، فدعم العراق بكل طاقته الإخوان المسلمين في سوريا! فيما دعم السوريون المعارضة العراقية المختلفة وشددوا من تحالفهم الستراتيجي مع النظام الإيراني في حرب الأعوام الثمانية ضد العراق وهو التحالف المستمر حتى اليوم و الذي يبدو شبيها بالزواج الكاثوليكي وليس بزواج المتعة المؤقت كما يعتقد البعض!! ، المهم إن كل الأسلحة قد إستعملت في صراع البلدين بما فيه سلاح مياه الأنهار المشتركة القادمة أصلا من هضبة الأناضول التركية! و التي تسببت كثرة إقامة السدود من الجانبين التركي و السوري بتقليل حصة العراق المائية مما أثار مشاكل عديدة إجتاحت القطاع الزراعي المتدهور أصلا في العراق منذ أواخر الخمسينيات ، وقد تفاقمت المشكلة المائية في ظل فترات الحروب و النزاعات العسكرية التي خاضها العراق خلال حقبتي الثمانينيات و التسعينيات وحيث أصاب الأهمال جميع مرافق الحياة و تعطلت كل خطط التنمية و تدهورت الأوضاع بالكامل بعد الحصار الشديد الذي أتبع مرحلة غزو دولة الكويت و الحرب التي أعقبتها حتى وصل الحال للتدهور الراهن ، فإذا كانت المشاريع الإروائية السورية بسحب مياه نهر دجلة تهدد مستوى منسوب المياه في العراق فإن ذلك يعتبر عملا عدائيا يضر بالأمن الوطني و القومي و الغذائي و البيئي و يتطلب إتصالات دبلوماسية وفنية عالية المستوى رغم أن الحكومة العراقية حاليا في وضع مشلول بسبب صراع أحزابها المتخلفة على السلطة وهو صراع سقيم إنعك على مستوى الفشل التام في إدارة الدولة العراقية ، وفي حالة الإصرار السوري على تنفيذ المشروع و تجاهل آثاره السلبية فليس هنالك من حل سوى الحل العسكري للأسف فقيام إسرائيل بتحويل مجرى نهر الأردن عام 1964 أوصل المنطقة لحالة الحرب ، ثم أن النظام السوري لاينفذ المشاريع التي تحتاج لميزانيات ضخمة دون الإستعانة بالآخرين وهنا تقع مسؤولية الإتصال بالجهات الكويتية المانحة للقرض السوري على عاتق الحكومة العراقية لإستعراض الموقف و تبيان المخاطر مع الإستعانة بنصوص القانون الدولي المنظمة لحل الخلافات بهذا الشأن ، الموضوع لا يحتاج لإثارة إعلامية بقدر ما يحتاج لمعالجة فنية ولحلول دبلوماسية قد تكون الأنجع في حلحلة المواقف و إنهاء الأزمة ، أما الصراخ و العويل و تراشق الإتهامات فلن يجدي نفعا... المهم إن العراق بات اليوم في حالة إختناق و موت بطيء بسبب المشاريع الإروائية و المائية الإيرانية و كذلك السورية و قيام حكومة مهنية و مسؤولة ووطنية هو الحد و الفيصل في إنهاء هذه الحالة الشاذة ، ثم إن النظام السوري لا يجرؤ على التحرك إلا في ظل ضعف الآخرين... المسؤولية حكومية بالدرجة الأولى.

[email protected]