لقد أتخذ البرلمان الفرنسي قرارا ًبحضر النقاب في الأماكن العامة في فرنسا. وفي السابق اصدرت المؤسسات التشريعية الفرنسية قانونا ً بحضر الرموز الدينية في المؤسسات الحكومية، ومنها الجامعات طبعا ً، فكانت الجاليات المسلمة من أكثر المتضررين من هذا القانون. أما بريطانيا فقد أعلنت بإنها سوف لن تمنع النقاب في بريطانيا كما صرح وزير الهجرة البريطاني ديمين جرين (Damian Green) في الصحف البريطانية، وإن حدث ذلك فسيكون قانونا ً ضد مبدأ التسامح وأحترام الإختلاف الذي يتسم به المجتمع البريطاني، على حد قوله. السؤال المهم هو مالفرق بين المشرع البريطاني والفرنسي؟ وهل المجتمع الفرنسي أقل تسامحا ً من المجتمع البريطاني؟ بإختصار شديد، ماهو الأساس القانوني لحضر أو عدم حضر النقاب في فرنسا أو بريطانيا؟

من أجل الإجابة عن هذا السؤال لابد من مقدمة نظرية لشرح الفرق بين النظم السياسية في الدول الغربية. تسمي أكثر الدول الغربية نظمها السياسية بالليبرالية مع مزيج متفاوت من الأفكارالإشتراكية. فأغلب تلك الدول وصلت لهدفها المنشود بأن تكون دول الرفاهية ( welfare)، أما المجتمعات فتسمى بمجتمعات متعددة الثقافات (multiculturalism). هذا بصور عامة، لكن بالتأكيد هناك فروقات بين هذه الدول في التعامل مع مواطنيها ومع المهاجرين القادمين اليها من مختلف دول العالم.

هناك ثلاث تصنيفات لنوعية الدول الغربية، وفي نوعية المواطنة في تلك الدول. فالتصنيف الأول يصنف الدولة على أنها دولة السوق (market state) كما يقول مارشال (Marshall Thomas)، وفيها تكون المواطنة، في المجتمع المدني، على أساس الحقوق والواجبات فقط. وهذا ما تتسم به الدول ذات الطابع الليبرالي المتشدد مثل أفكار الحزب الجمهوري في الولايات المتحدة الأمريكية. أما التصنيف الثاني فهو الدولة (state) فحسب، فتكون المواطنة فيها على أساس الحقوق والواجبات أضافة إلى الحضور الفعال لمواطني البلد (participant). وهذه أفكار ليبرالية ذات نكهة إشتراكية فتسمى (communitarians). ونموذجا ً على ذلك هو دولة فرنسا، تركيا، أو الحزب الديمقراطي في الولايات المتحدة الامريكية. أما التصنيف الثالث للدولة فهو أكثر تطورا ً وتسامحا ً كما يقول ديلنتي (Gerard Delanty)، فهو دولة المشاركة (community state)، أي دولة على أساس ليبرالي مع مزيج متجانس من الأفكارالإشتراكية. وعلى أساسه تتصف المواطنة بالصفات الأربع التالية، الحقوق والواجبات، المشاركة إضافة إلى الأعتراف بالهوية. أي لابد أن يكون هناك إعتراف بالهوية الفردية والجمعية. ومثالا ً على ذلك بريطانيا وكندا والسويد. على أية حال، كل هذه التصنيفات هي لدول علمانية تتفاوت في التشدد في علمانيتها. هذا لايعني أن التصنيفين الأول والثاني لايعترف بالهوية، كلا، هناك إعتراف بالهوية لكن في الحياة الخاصة وليست العامة.

أما مايخص سياسة الهجرة لهذه الدول تجاه فئة المهاجرين فتختلف حسب النوع والمبدأ الذي تقوم عليه تلك الدول. وبإختصار شديد مرت هذه السياسة في ثلاثة مراحل. ففي المرحلة الأولى إنتهجت الولايات المتحدة في الخصوص، في سبعينيات القرن الماضي، سياسة التمثيل الإجتماعي (assimilation) أي صهر الأقليات الدينية والثقافية في ثقافة الأكثرية في المجتمع. بإختصار شديد تعتمد هذه السياسة على سلخ المهاجرين من هويتهم الثقافية الأصلية ومحاولة أكسابهم هوية ثقافة الأكثرية. هذه السياسة كانت ملازمة لدولة السوق، وفيها يتم تطبيق القانون على الجميع في الحياة العامة، أي في المدارس والجامعات مثلا ً والشارع. فلا إعتراف بالهوية الفردية والجمعية إلا بشكل مجتزأ وفي الحياة الخاصة فقط، فلا شأن للدولة بالحياة الخاصة للفرد. أما المرحلة الثانية في مرحلة سياسة التهميش (marginalization)، والتي تطبق في فرنسا حليا، وترتكز على تهميش الأقليات بدلا ً من صهرهم في المجتمع، مذلك من خلال إسكانهم في أماكن محددة بعيدا ً عن السكان الأصليين. فهناك إعتراف بالهويات الثقافية للأقليات لكن لايتم التعاطي معه في الحياة العامة كالمدارس والجامعات. أما الحياة الخاصة فهذا شأن لاعلاقة للدولة فيه. أما المرحلة الثالثة والتي تطبق في بريطانيا وكندا والسويد فهي سياسة الإندماج (integration). والإندماج هو المشاركة في المجتمع وكسب هويته الجديدة من دون فقدان الهوية الثقافية أو الدينية الأصلية. بل على العكس من واجب الدولة هو دعم هذه الهويايت الثقافية من خلال تعليم اللغة الأصلية للأقليات وفتح الجمعيات التي ترعى تلك الثقافات. فهذه السياسة تدعو للتواصل بين الثقافات لخلق مجتمع أكثر تسامحا ً وإنفتاحا ً. وعل هذا الأساس تحصل الأقليات على حق التمييز الإيجابي. فهذه السياسة تلتقي مع مفهوم دولة المشاركة.

نعود للنقاب والفرق بين فرنسا وبريطانيا. فالجمهورية الفرنسة أكثر تشددا ً في علمانيتها من بريطانيا، وتعتمد دولتها على سياسة التهميش أكثر من الإندماج والمشاركة، وذلك من خلال الإعتراف بالهويات الثقافية للأقلية لكن في الحياة الخاصة. ولايتم دعم تلك الهويات بأي شكل من الأشكال. فعلمانية فرنسا تعتمد على دعم الحريات الفردية أكثر من التركيز على الحريات الجمعية. أما بريطانيا فمبدأالدولة قائم على المشاركة ويدعم الأقليات الثقافية من خلال دعم الفعاليات لتلك الثقافات لخلق مجتمع أكثر تسامحا ً. فهي دولة علمانية أقل تشددا ً ترعى الحريات والحقوق الجمعية للأقليات الثقافية والدينية على أن لاتصطدم بالحريات والحقوق الفردية.

إن الفرق بين ماهو خاص وعام وفردي وجمعي، في مايخص الحريات والحقوق والواجبات كان ومايزال أشكالية في الدول المتعددة الثقافات. فمنع النقاب في فرنسا يمكن أن يفتح الباب لمنع الكثير من الحقوق ويقفز على مبدأالحرية الفردية في كثير من الأمور. فهنا وفي موضوع النقاب في فرنسا طغت روح الدولة القومية بدل روح مجتمع متعدد الثقافات. فمن حق الفرنسيين أن يتأكدوا من هوية الفرد من خلال رؤية شكل ذلك الفرد في الدوائر الحكومية، لكن أن يتم منع الأنسان من إرتداء مايراه مناسبا ً فهي الأماكن العامة فتلك مسئلة لابد الوقوف عندها والتأمل في نتائجها. فهذا تدخل صارخ في حرية الفرد التي ضمنها القانون، ويشكل عجز من قبل الجانب الفرنسي في معالجة هكذا مواضيع. فكان الأجدر التركيز على الإندماج الثقافي الذي يخلق التواصل بين الثقافات فتنتهي هذه الظاهرة على المدى البعيد. وذلك بدل سياسة الإجبار والتهميش التي تؤدي إلى التشدد من الطرف الآخر من أجل إبراز الهوية بالضد.

المهم أن من يرتدن النقاب لايتجاوزن الألفين إمرأة مسلمة. فموضوع النقاب فعلا ُ هو موضوع ثقافي يعيق الإندماج في المجتمع من خلال إعاقة حالة التواصل، مميا يؤثر سلبا ً على مرتدياته وعلى أولادهن بأن يبقن ويبقون الحلقة الأضعف في ذلك المجتمع. لكن المشكلة هي في كيفية معالجة هكذا مواضيع. فما هو ثقافي لايمكن علاجه بقانون، إلا إذا أتخذ صفة إجرامية. وعلى حد قول إحدى الباحثات الفرنسيات في المؤتمر العالمي في علم الإجتماع، إنهن ليس إلا أقلية من أقلية، والنقاب تقليد ثقافي ليس له جذور دينية. فردت عليها إحدى لباحثات الهنديات، إن كان العدد فقط الفين فلماذا الخوف من هذا العدد؟ وهل هذا العدد يشكل فعلا ً خطرا ً على المجتمع الفرنسي؟ ففي الهند ترتدي الهنديات مايشئن وهناك النقاب ظاهرة جدا ً طبيعيه منذ مئات السنين ولم يشكل مشكلة. فهل يمكن أن يكون الخلل في المجتمع الفرنسي وليس في موضوع النقاب؟

[email protected]