ظهر الملك نادر شاه فى خراسان بإيران واستلم قيادة الجيش عند الشاه طهماسب. تمكن نادر من طرد الأفغان وقضى على أشرف خان. وحاصر بغداد والموصل وحقق انتصارات فعزل طهماسب وصار مكانه واشترط لعرشه ترك سب الخلفاء الراشدين وطقوس الثار فى مواكب العزاء وكل ما يفرق بين السنة والشيعة مما ابتدعته الدولة الصفوية. فاعترض فقيه شيعى معروف على الملك نادر باعتباره معارضا للعقيدة الشيعية كما زعم. لكن الفقيه مات فجأة رغم صحته وقوته فعدّ ذلك كرامة لنادر حيث أجمعوا على قبول شروطه التوحيدية وهكذا توّج بعرش عظيم واحتفال مهيب جدا حيث حصل على لقب (نادر شاه). لقد كان داهية عصره وفارس يومه وعملاق فكره حتى سماه المستشرقون (نابليون الشرق) ولا غرابة فمشروعه التقريبى كان كبيرا وعظيما. كانت خطته أن يجعل المذهب الشيعى مذهبا خامسا سماه (المذهب الجعفرى) نسبة إلى الإمام جعفر الصادق الذى عاصر نشوء المذاهب السنية بأخوة بناءة. إنه مشروع لفقهاء عرب فى فترات متعددة لكنه لم يفلح لوجود تعصب الفقهاء الفرس الذين ورثوا تحطيم كسرى وكبرياءه على يد الخليفة الثانى والعرب الفاتحين

فتح نادر شاه الهند عام 1738 ثم بلخ وبخارى وغيرها فوصل إلى قمة مجده ليلقب (شاهنشاه) أى ملك الملوك. حاول إزالة عادات وطقوس الصفويين وتحجيم فقهائهم كما أرسل الهدايا إلى السلطان العثمانى ووالى بغداد وتحفا وهدايا ثمينة إلى مراقد أبى حنيفة والكيلانى وكذلك أئمة آل البيت من الأئمة على والحسين والكاظم وتذهيب المرقد العلوى بالنجف. وما أن وصل النجف حتى بادر لعقد مؤتمر عام يجمع فيه أبرز العلماء الشيعة والسنة من أجل الوحدة الإسلامية. وهو أول مؤتمر ضخم حقيقى لهدف التقريب بين الطائفتين. وفى 11 كانون الأول عام 1743 م بعث الوالى أحمد باشا علامة العراق عبد الله السويدى للمشاركة كما أن نادر شاه قد جلب من إيران 70 عالما شيعيا، وسبعة سنة من تركستان وسبعة من أفغانستان، وحضر كبير فقهاء شيعة العراق نصر الله الحائرى من كربلاء الذى دخل على نادر شاه. رحب الشاه بالحائرى وقال له أنه يريد التقارب وتحريم التكفير للخلفاء الراشدين وإزالة بدع شاه الدولة الصفوية اسماعيل الصفوى. ثم خرج الحائرى إلى خيمة فقيه الإيرانيين على أكبر الملا باشى وتحاورا طويلا ثم حصل اجتماع كبير بين علماء الفريقين السنة والشيعة قرب ضريح الإمام على وكتبوا محضرا موقعا من الجميع وفيه كبار علماء المسلمين من العراق وإيران وأفغانستان وتركستان، من العرب والترك والفرس والأفغان، وعلى رأسهم فقيه العراق الشيعى آنذاك نصر الله الحائرى ومفتى العراق السنى عبد الله السويدى ومفتى الأفغان حمزة القلنجارى ومفتى إيران على أكبر الملا باشى ليوقعوا إتفاقا وحدويا عظيما يعالج المشاكل الأصلية والأساسية فى الخلاف فى احترام الخلفاء الراشدين ومنزلتهم وعدم الطعن فيهم واعتبار المذهب الجعفرى مذهبا إسلاميا خامسا إضافة للمذاهب السنية الشرعية المعروفة الأربعة المالكى والحنفى والحنبلى والشافعى ونقاط أخرى

ولقد اشتركتُ فى مؤتمرات كثيرة معاصرة باسم الوحدة الإسلامية ولكنها كانت صورية جوفاء غير جادة فهى لاتعالج النقاط الأساسية الجوهرية كما عالجها المؤتمر أعلاه. وما أحوج الأمة الآن إلى الوحدة الإسلامية الحقيقية رافضين التكفير والغلو ثم الإيمان بشرعية الخلفاء الراشدين. ولو رجعنا إلى المصادر الأصلية القديمة لرأينا آفاقا واسعة للوحدة والتقريب بين المذاهب الإسلامية

ولقد بايع الإمام على بن أبى طالب الخلفاء الراشدين الثلاث وصلى وراءهم ومدحهم. قال الإمام على فى نهج البلاغة (إنه بايعنى القوم الذين بايعوا أبا بكر وعمر وعثمان على ما بايعوهم عليه، فلم يكن للشاهد أن يختار ولا للغائب أن يرد. وإنما الشورى للمهاجرين والأنصار، فإن اجتمعوا على رجل وسموه إماماً كان ذلك لله رضا، فإن خرج عن أمرهم خارج بأمر أو بدعة، ردُّوه إلى ما خرج منه، فإن أبى قاتلوه على اتباعه غير سبيل المؤمنين وولاه الله ما تولى). لذلك كان الإمام على مرجعا دينيا ومستشارا رئيسيا فى كل معضلة أو مشكلة تحتاج إلى حكمته ورأيه السديد زمن الخلفاء الثلاث السابقون له، فقد قال الخليفة الثانى مرارا وتكرارا (لولا على لهلك عمر) (لا أبقانى الله لمعضلة ليس لها أبو الحسن). عندما أراد الخليفة الثانى فتح بلاد فارس والروم فإنه استشار الإمام عليا الذى قام بإسداء نصيحته الرائعة لعمر قائلا (إنك متى تسر إلى هذا العدو بنفسك فتلقهم فتنكب، لاتكن للمسلمين كانفة دون أقصى بلادهم، ليس بعدك مرجع يرجعون إليه. فابعث إليهم رجلا محربا، واحفز معه أهل البلاء والنصيحة، فإن أظهر الله فذاك ما تحب، وإن تكن الأخرى كنت ردءا للناس ومثابة للمسلمين). فالإمام يطلب من الخليفة عدم الخروج للحرب بنفسه حفاظا عليه لأنه المرجع الذى يرجعون إليه والملاذ الذى يلوذون به، ثم بعث ابنه الحسن فى قيادة أوائل الحملات تأييد للخليفة الفاروق. بعد شهادة الخليفة الثانى على يد المجوسى أبى لؤلؤة، وقف الإمام علي عند قبر الخليفة حزينا راثيا بأعظم رثاء خالد ذاكرا مناقبه وفضله وعظمته قائلا (فقد قوم الأود وداوى العمد وخلف الفتنة وأقام السنة وذهب نقى الثوب قليل العيب أصاب خيرها وسبق شرها أدى إلى الله طاعته واتقاه بحقه. رحل وتركهم فى طرق متشعبة لايهتدى فيها الضال ولايستيقن المهتدى) وهذا القول بعد شهادة الفاروق فهل يعقل قالها الإمام تقية كما ادعاها البعض

ومن الظواهر الرائعة بين متعلقي الخلفاء هو كثرة الزيجات والمصاهرات بل وتسمية الأبناء باسمائهم كما سمى الإمام علي أولاده بأبى بكر وعمر وعثمان وكذا فعل الإمام جعفر الصادق وغيره

وقد تزوج الإمام على أسماء بنت عميس زوج أبى بكر بعد وفاته ليربى محمد بن أبى بكر فى حضنه، كما زوّج الإمام ابنته أم كلثوم للخليفة عمر بن الخطاب لتنجب له زيد بن عمر ورقية بنت عمر، كمى سمّى أولاده بأبى بكر وعمر وعثمان. تزوج الحسين بن على عاتكة بنت زيد وهى بنت عم عمر بن الخطاب وزوجته قبل شهادته وسمى أولاده أبا بكر وعمر وعثمان، ومن أبناء الحسن بن على أبو بكر وعمر وعثمان وكذلك الباقر والصادق. أما السجاد فمن أبنائه عمر، وتزوجت سكينة بنت الحسين زيد بن عمر بن عثمان بن عفان ثم من بعده مصعب بن الزبير بن العوام المقتول بالكوفة، وتزوجت أختها فاطمة بنت الحسين عبد الله بن عمرو بن عثمان بن عفان بعد وفاة زوجها الحسن المثنى وغيرها كثير جدا والحديث (إختاروا لنطفكم)... وقال جعفر الصادق (أولدنى أبو بكر مرتين) مرارا ليثبت أنّه علوى بكرى مقابل عدم احترام البعض للخلفاء الراشدين.

اشترك الإمام علي فى حروب الردة أيام الخليفة الأول كما ذكره المحققون العرب كالسيد محمد باقر الصدر قائلا (إن الحكم السني الذى مثله الخلفاء الراشدون والذى كان يقوم على أساس الإسلام والعدل، حمل علي السيف للدفاع عنه، إذ حارب جنديا فى حروب الردة تحت لواء الخليفة الأول أبى بكر، وكلنا نحارب تحت راية الإسلام مهما كان لونها المذهبى. إن الحكم السنى الذى كان يحمل راية الإسلام قد أفتى علماء الشيعة قبل نصف قرن بوجوب الجهاد من أجله وخرج الآلاف من الشيعة وبذلوا دمهم رخيصا من أجل الحفاظ على راية الإسلام ومن أجل حماية الحكم السنى الذى كان يقوم على أساس الإسلام) وهى نظرة منطقية تاريخية فى التقارب

وكان الإمام على يرفض الغلو فيه حتى قال على أيام خلافته (فلا تكلمونى بما تكلم به الجبابرة ولا تتحفظوا منى بما يتحفظ به عند أهل البادرة ولاتخالطونى بالمصانعة ولاتظنوا بى استثقالا فى حق قيل لى ولا التماس إعظام لنفسى، فإنه من استثقل الحق أن يقال له أو العدل أن يعرض عليه كان العمل بهما أثقل عليه. فلا تكفوا عن مقالة بحق، أو مشورة بعدل فإنى لست بنفسى بفوق أن أخطئ ولا آمن ذلك من فعلى إلا أن يكفى الله من نفسى ما هو أملك به منى، فإنما أنا وأنتم عبيد مملوكون لرب لا رب غيره) وفى دعائه المشهور (أللهم اغفر لى تلك الذنوب التى تهتك العصم، اللهم اغفر لى تلك الذنوب التى تنزل النقم، أللهم اغفر لى تلك الذنوب التى تغير النعم، أللهم اغفر تلك الذنوب التى تنزل البلاء، اللهم اغفر لى تلك الذنوب التى تحبس الدعاء...)ر ورفض على التوسل والشفاعة لغير الله قائلا فى وصيته (واعلم أن الذى بيده خزائن السموات والأرض قد أذن لك فى الدعاء وتكفّل لك فى الإجابة وأمرك أن تسأله ليعطيك وتسترحمه ليرحمك ولم يجعل بينك وبينه من يحجبك عنه ولم يلجئك إلى من يشفع لك إليه) (لايرجون أحد منكم إلا ربه) وغيره كثير فى آفاق الوحدة الإسلامية.